الأربعاء، 21 أغسطس 2013

وللفتحة.. أسرار



كان يرفع إصبعه بشكل هادئ عكس ما تعود، يدنيه تارة من أنفه وأخرى يعليه فوق جبينه.. في حالة أشبه بتوسل الآنسة أن تختاره دون رفاقه كمن يخفي رجاءً ملحاً.. اختارته الآنسة وقد انتابها الفضول من حالته المريبة، تنحى عن مقعده وهو يثني كراسته بين يديه الصغيرتين في شكل مقوّس يخفي خلف طرفها شفتيه وذقنه، كان ينظر إليها بثبات تتخلله حركاته الطفولية العفوية، وقف على المصطبة أمعن في سطره المخربش قالت الآنسة:
 "نعم عبد الغني تفضل"
رد بثقة وهو يمعن في جملته:
"دقيقة.. سأقرأ"
علا صوته شيئاً فشيء بجملة قصيرة "دخلتْ القِطّةَ غُرْفَتي" صححت الآنسة بشكل آلي "القِطَّةُ"  فكرر الجملة مرة أخرى بنفس التشكيل.. قالت له:
 "بالضمة عبد الغني"
 رفع بصره عن الكراسة.. نظر إليها صحح الجملة وعاد لمكانه.. عندما دق جرس الخروج وقف عندها صامتاً.. ظلت تنتظر مراده حتى قال:
 "لكني أريدها فتحة"
 استغربت منه انحنت له.. وقالت: "حسنا قل أدخلت القطةَ غرفتي"
بدا على وجهه حزن غريب وقال: "لكنها دخلت لوحدها.. لم أدخلها"
صمتت لبعض الوقت.. همست له: "إن دخلت لوحدها وأعطيتها الفتحة ستغضب"
اندهش.. دنى منها همس بالمثل: "لماذ؟؟ فالفتحة أفضل"
 قالت الآنسة: "لأن كل من يفعل بنفسه كل أموره.. تهدى له ضمة"
تراجع قليلا ارتسمت على وجهه ملامح الاستياء.. قال: "لكن.. " ثم عدل عن الكلام.. سألته الآنسة مظهرة له اهتماما كبيراً: "ولكن لماذا الفتحة أفضل؟"
 اقترب منها أخذ رأسها بين كفيه.. ثبّت شفتيه عند أذنها وهمس:
 "لأنها كلما جاءت ومعها فتحة فتحت أمي النافذة لتخرجها" ونظر في عيني الآنسة وضوء الفرح يشع من عينيه.. ثم أتم "وكلما فتحت أمي النافذة أخرجت رأسي منها وشاهدت الدراجة النارية في الشرفة المقابلة التي يملكها هشام.. أتعرفين هشام؟؟" قالت "لا لا أعرفه" أتم مستغرباً "هشام جارنا" ضحكت وأكدت أنها لا تعرفه.. فقال: "المهم.. هو وعدني أن يأخذني في جولة ولكن أبي وأمي رفضا"

الاثنين، 12 أغسطس 2013

أغرب مما كنت أعتقد..


لمحتك بطولك الفارع بصحبة بعض من طلابك.. كنت أنظر إليك من خلف نظارة سوداء.. لم تعرني اهتماما ولكني.. عزمت أن لا أفلتك هذه "الصدفة"
تركت عمداً وشاحي على ذلك المقعد.. كنت أكيدة أن قلبك القوي سيتعثر به ويقع رغم صلابة نبضه، حملتَه.. ناديتني مرة وثانية وثالثة فالتفتُ "الثالثة ثابتة" هكذا يقال.. كنت تبتسم بل كنت غارقاً في الوسامة بسمرتك الوهرانية وروحك المتشبعة بنسيم البحر ومواعض سيدي الهواري والمتأهبة كالأسدين معاً لكل طارئ.. نظرت إليك ولم آبه للوشاح فلونه لم يكن يعجبني ولكني فكرت أنه ولابد كان يعجبك كرجل.. همست وأنا أراقب اقترابك متأملة تضاريس جبال الشريعة التي سكنت محياك منذ سرقتك البليدة من وهران الباهية وجعلتك تغير ضريح صلواتك إلى سيدي الكبير الذي رغم هجرانه مازال له ذاك السحر في الاحتفاظ بالزوار وأسرهم.. "تبا لك البليدة لما احتفظت به؟؟ ألتغويني فقط أغيرت ورودك بتعاويذ الحب؟"
قلت لي حينها: "لا تكوني مهملة" لم أتمالك عن الضحك وأنا أجيبك "بل مهملة جداً" أتممتها في سري "مهملة حد المجيء بك إلى هنا"
شددتَ الوشاح لحظات ثم أفلته سألتني إن كنا التقينا من قبل أو كنا نعرف بعضنا، نزعت نظارتي السوداء ثبت عينيَّ الزرقاوين بسواد عينيك لحتى جعلته لجة هائجة ثم.. أجبتك على مهل كأني أتذكر: "ربما في المعهد.. أأنت معيد هناك" كنت أكيدة أنك أستاذ محاضر ولكني أردت مخاطبة كبريائك الرجولي كي يطغى على طيبتك.. أجبتني "أنا أستاذ محاضر.. أتدرسين هنا" كم أحب ادعاء السذاجة منذ لحظات فقط كان احتمال أننا التقينا قبلا قائماً.. أجبتك أني هنا أنتظر صديقة وعدَتْني أن توفر لي كتاباً ولكنها لم تحضر.. "صدفة" كنت تملكه فوضعنا يومها موعدنا الأول...
أغرب ما حدث في قصتي معك.. أنّ موضوع رسالة الدكتوراء التي كنت تحضرها كان حول الكاتب الّذي ادّعيتُ أنّي أريد كتابه، وأنّك لم تكن مجرّد استاذ محاضر بل كنت رئيس الكليّة نفسه الّذي كان يكلّم دائماً استاذي المشرف على رسالة الماجستير التي كنت أحضرها ويزوره في مكتبه الخاص دون أن نراه.. أنّك لم تحب قطّ لون ذلك الوشاح ولكنّك يومها تمنيت أن أكون مهملة لأنها كانت الطريقة الوحيدة لتكلمني بعيداً عن صديقك.. أنّك تعمدت شدَّ الوشاح لتجبرني على خلع النظارة.. أنّي كنت أجلس على المقعد الذي تعودت الاستراحة عنده بين المحاضرة والأخرى..أغرب ما حدث أننا كنا نعرف بعضنا من حيث لا يعرف أحدنا ذلك..

آمال بوضياف