الثلاثاء، 30 يوليو 2013

صـخـب

كان قبرها صامتاً عكس ما توقّع.. بقربه بضع حجارة تنبئ عن قبر جديد أو.. هذا ما يقولونه في مدينته.. تساءل بهمس: "لمن القبر التالي يا ترى؟ من ستأخذين بعدك؟ " قرأ الفاتحة وهو مؤمن أنّ روحها تستحق القرآن كله.. فموتها لم يكن عادلاً لأمّ أمضت عشرية من الدّم تهرب بأبنائها من الموت من مكان لآخر.. كان قدرها أن تسكن القصدير وأن تعمل منظفة لوساخة بشر لا تزول ولا ترحم.. كانت كرامتها فوق ذل المسألة وأخلاقها أعلى من أي نذالة..
ماتت مرتان.. هكذا يعتقد، الأولى حين أقسمت امرأة وزوجها أنهما شاهدا ابنتها في مدينة أخرى بلباس خليع، انهارت.. لطمت وجهها.. صاحت: " عام يا ربي عام.. عام ما نسمع ولا شيء وكي نسمع لازم نموت يا ربي.. لازم نموت يا ربي علاش.. علاش يا ربي علاش"
لم يكن وصول تلك المدينة صعبا لامرأة تعودت أن تكون رجل.. لكنها قصدته ليلتها كان وجهها مسودّاً كقطعة الفحم التي تداركها الرماد قالت أنها لا تملك المال.. قالت أنها لن تبرأ من العثة التي تربت دالخها حتى ترى كيف تحول ما بقي من سنين عمرها إلى عهر..
لجأت إليه لأنه الغريب الذي ساندها وبقي إلى جانبها منذ مقتل ابنها الشاب في ذلك الانفجار بالسوق.. الغريب الذي لم يخذلها أبدا رغم أن الزمن كان زمن الخذلان والموت..
استقلا سيارة أجرى نحو المدينة الاخرى.. لم تنطق بأي كلمة طول الطريق ولكنها لم تكن شاردة كانت جسد بلا روح تقبع بجانبه كتمثال ينتظر لحظة تهاويه.. هناك أين نسائم البحر تعبّق الارجاء أين الجو مخنوق بعفوتنه.. تتبعا الوصف وبسؤال بسيط أشارت كل الأصابع أن "إلى هناك.." وصلا عمارة عتيقة درجها ضيق تتبعا أول رواق صادفاه.. كانت هناك.. تصرخ بشخص ما كانت سافرة بل كانت حامل.. 
لم تتفوه الأم بكلمة اكتمل سواد وجهها حتى غابت ملامحها.. اتجهت نحوها.. توقع أي أمر إلّا أن تخنقها.. كان الأغرب أن ابنتها لم تقاوم بل استسلمت تماما.. أسرع نحوهما حاول جاهدا فك قبضتها ولكن دون جدوى.. 
أخذ رأسه بين بيده لم يعرف ماذا يفعل.. يتصل بالإسعاف أم بالشرطة.. طلب منها أن تهرب.. كانت جاثمة بقربها بصرها لصيق بالأرض قالت بصوت هادئ: "هربتُ بما يكفي، أخذ الإرهاب زوجي وابني ومع أني صوت بلا للمصالحة في تلك السنة إلّا أنها تمت، ربيتها كما آمنت بالتربية انظر إليها.. وأرسلتها لتتعلم وتخرج نفسها من الفقر.. ماتت أنظر إليها.. بل أنظر إليّ" 
عاد إلى مدينته وقد تضاعف حزنه القديم، لكنه لم يعد بها.. توفيت ليلتها في السجن.. ماتت للمرة الثانية.. توقع أن يكون قبرها صاخباً لأنه يؤمن أن الفاجعة التي لا تشفى يبقى صراخها عالياً حتى عندما يدفن صاحبها.   

آمال بوضياف

الأحد، 28 يوليو 2013

البرانــي

على كرسي حجري في حديقة عامة، بثيابه القذرة وشعره الأشعث ممدد بكل رفاهية متكئ على مرفقه، بكل عنجهية ينفخ دخان سيجارة ويصرخ "أنا الملك" تمر غير بعيد عنه نساء فتخشاه وتخشى نوباته، يمر قربه كهول فيحوقلون، ويمر بمحاذاته شباب فيبتسمون بين السخرية والإعجاب أن قحاً هو الملك، فلا سلطان عليه.
ذاك هو عمّي الزبير شيخ مشرد، مجنون تارة وعاقل أخرى، عرفه الجميع كما تعلّموا أن يرهبوه، في أقصى حالات جنونه يشتم ويعربد ويكسر كل ما في طريقه، في أقصى حالات هدوئه يكون ورعاً حكيماً يقول أن الدنيا غدارة ويقول أيضاً: "أنا زمان كنت.." ولا أحد يعرف قصته ولا ما كان لأنه لم يكمل الجملة إطلاقاً.
كانت تسير ببطء خطواتها وئيدة لكأنها تخشى السقوط، محنية لا ترفع رأسها عن الأرض إلّا نادراً ليس حياءً بل حتى لا تغفل عيناها عن مواضع رجليها، تتمتم: " يا حسراه زمان كي كنت.." لكن الجميع يعرف ما كانت خالتي جوهر سيدة القوة وصاحبة القد الممشوق والخطوات الثابتة، قيل أنها أول من التحق بجبهة التحرير في حيّها، وقيل أيضاً أنها كانت صاحبة هيبة ومازالت رغم الكبر، أصيبت أثناء حرب التحرير ونقلت إلى تونس وزوجها مفقود منذ أن اعتقل في إحدى المداهمات، كما أنّها فقدت ابنها الوحيد في العشرية السوداء وذاك فقط ما أحناها بهذا الشكل.
كانت تسير وتسمع صراخاً فظاً وكلاماً قبيحاً في ناحية من نواحي الحديقة، كعادتها القديمة لا تخشى شيئاً اتجهت حيث الضجيج وحيث الناس تفر وتتجنب المرور، كان عمّي الزبير يعربد ويزبد ويشتم ويردد "أنا الملك" لكنّه توقف فجأة وسكن، أخذ ينزل عن المقعد ببطء وعيناه لا ترتفعان عنها، مشدوه إليها وقد ذهب عنه كل ارتعاشه، همس مرات عدة ثم صرخ: "أعدت؟ أعدت؟ أيعود الأموات؟ " عرفها رغم وجهها المجعد الذي زادته المحن والحزن سمرة
كانت خالتي الجوهر قد رفعت رأسها عن الأرض وتجمدت مكانها، اغرورقت عيناها.. تغيرت ملامحها همست أنه الزبير نادته مرات عدة بصوت مختنق، كان عسيراً عليه أن يسمعها وعسيراً عليها أن ترفع صوتها، عرفته رغم بياض شعره وتشعثه رغم وجهه المخفي خلف لحيته القذرة الطويلة.
أخذ يقترب منها وقد عاد إليه ارتعاشه، كانت تعلم أنه غاضب فهي تعرف كل حركاته، حملق في وجهها سألها باستغراب : "متى عدت يا الجوهر" ردت " لم أرحل أصلاً يا الزبير" شد رأسه بكلتا يديه أغمض عينيه، قال: " أين كنت إذاً؟ " ردت: " في تونس" صمت برهة ثم بدأ يبكي كطفل صغير ويردد " لقد قتلوا أخي يالجوهر عذبوه وقتلوه، وحين هربت من الكهف لم أجد الوطن" أخذت تبكي بصمت، سكت عن نحيبه سألها وقد نظر إلى بطنها " أين ابني؟ " وقفت استقامت بجهد وقالت" مات، مات رجلاً"
تركته منكمشاً في كرسيه يردد " أنا البرانّي أنا المقطوع" كانت تبكي وتهمس" لم يقتله العدو جنيناً ولا رضيعاً ولا طفلاً لكن قتله الوطن رجلاً" سألها شاب إن كانت تعرف ذاك المجنون ومن هو فقالت بحزن " إنّه مجاهد" نظرت إليه وأتمت"بل بقايا مجاهد"


آمـــال بوضـياف

ما لا يغفره وطني (3)



هذا أنا..

هو المطر ذاك المساء نشر عبر رذاذه الشر وحطم النفوس حين تشاجرا بعنف أكبر بسبب القطرات المتسربة من السقف إلى الجروح التي في قلوبهم جميعاً، كانت سميرة تصرخ بكريم: "أطلق، لا تكن جباناً هو يكرهنا، هيّا أطلق، أطلق أطلق... أقتله أو سيقتلك.. أطلق" وكانت هي نوال تصرخ "ضعها يا كريم أبعد البندقية عنه ضعها ضعها" لكن حين استعادت نوال صوت الطلقة انتبهت إلى أحمد الجالس إلى جانبها يحدثها دون أن تلتقط كلمة واحدة، سألته بلا مقدمات " ما أكبر ما تكره في الحياة؟ " أجاب ببساطة "الكذب" صمتت لبرهة دققت النظر في عينيه همست بسخط "كلكم تكرهون الكذب" سألته ببرود: "أي نوع من الكذب؟ " رفع حاجب دون الآخر: " ليس هناك أنواع للكذب هو كذب واحد وفقط" تململت ثم واصلت بانفعال :" لا أقصد الأبيض والأسود وباقي الألوان... بل ... إخفاء حقيقة مثلاً أو الصمت عنها" لم يسهب ولم يستفسر قال باقتناع تام: " كلها تندرج تحت مسمى الكذب... لما السؤال؟"
رددت بهمس " لما السؤال..؟" كان أخوها كريم يمسك بندقية الصيد تلك في وجه أبيهما كانت بندقية للدفاع الذاتي ضد الإرهاب، أكان أبوها إرهابياً بطريقة ما؟ تساءلت بحزن، لم يكن والدها يحمل سوى عصاه المعتادة لم يكن ينوي قتل أحد عكس ما قالوه في المحكمة عن السكين الكبير، ربما كان فعلاً إرهابياً، فقد جعلها تتسوّل هي وإخوتها، جعلهم يقطعون مسافات طويلة سيراً على الأقدام حتّى لا يدفع ثمن التذكرة، هي تعرف العاصمة وشوارعها كسكانها، كان يضربهم بعنف إن رفضوا الخضوع لأوامره، حرمها فرحة الطفولة و طيش المراهقة وتتساءل إن كان في قبره سيحرمها الشباب وأحلامه، ترمش بضع مرات لتستعيد وجه أحمد المندهش من شرودها المفاجئ العميق، تبتسم بل تضحك تسأله "أننصرف؟ " يرفض ويطلب تفسيراً عن غرابتها هذا الصباح، تشرد مرة أخرى في سؤال لم يكن منتظر مساء الأمس: "متى تخبرينه الحقيقة؟ لا تترك الأمور عالقة، دعيه يختار" تفاجئه مرة أخرى بسؤال لا يمت للموقف بصلة: "أتحبني؟ لم تخبرني أبداً أنك تحبني.. " يبتسم يجمع يديه يقول: " أننصرف؟ " لم تبتسم ولم تنبس ببنت شفه، سارت معه بصمت تحدث نفسها " أكيد سيختار الرحيل... لابد أن يختار الرّحيل ولما قد يتزوج ممن قتل أبوها المتسول على يد ولده الذي يحيى كأنه لم يفعل شيئا، ولما قد يجعل لأبنائه خالة عاهرة..."
عادت إلى المنزل، دخلت الباحة الخلفية حيث بقايا المنزل القديم، هناك سقط صريعاً وبالقرب كان كريم يرتجف يبكي ممسكاً بالسلاح هناك كان الجميع رهين لصمت الدهشة والفاجعة معاً واحد ميت والآخر مصيره السجن والأكيد العار الذي سيلاحقهم مدى الحياة، لماذا نزل المطر يومها لماذا تسرب عبر الشقوق لتغضب الوالدة على الوضع المزري، على سنين العذاب، صرخت وناحت على الفقر على النقود التي يركنها في صندوقه على عري وجوع أبنائها الثلاث، على البرد والحر صرخت على كل ما نغص عمرها لتدفعه كالعادة لحمل العصا وتدفع كريم للدفاع عنها، تهمس "كان يافعاً كان في الثامن عشر " كانت سميرة تحثه وتحرضه على ضغط الزناد، سميرة المتنمرة التي لم يعد لأحد سلطان عليها بعد رحيل والدها، سميرة التي باتت مجلبة لعار أقبح، أطلق كريم صامت أمّها للأبد عن الابتسام، حكم على كريم بالسجن مع وقف التنفيذ بعد شهادة الجميع حقاً وباطلاً ضد الذي ووري التراب وقد طبع على أرواحهم وأجسادهم ثقوباً عميقةً لا تزول.
لا يعرف أحمد عن ماضيها شيئاً تقول "لا صلة لي بما فعله أهلي" لكنّ الصديقة تقول " لا انفصال لك عن أهلك رغم كونك لا تشبهينهم" تقول وكم تكره نوال ما تقوله "أخبريه بنفسك قبل أن يخبره غيرك، دعيه يختار مادام مركبكم على البر " غادرت الباحة نحو المنزل الكبير الذي عمّروه بأموال قضى والدها سنيناً يجمعها بكل الطرق، قالت بصوت ثابت لوالدتها: "سأخبره قررت وانتهى" لحقتها والدتها ونادتها لكن عبثاً، كانت تسير بثبات كلمته عبر الهاتف.. ضربت موعداً، جاء وقد فتك به القلق كان كل ظنه أن مكروهاً حلّ بها أو بأهلها، جلس إلى جانبها يمطرها بوابل من الأسئلة، طلبت منه أن يسمعها دون أن يقاطعها أن لا يقول شيئاً فقط ينصت.. يفكر.. ثم يطلعها بقراره، قصت نوال ماضيها منذ النعومة إلى لحظتها تلك دون أن تخفي تفصيلاً، لم يكن البتة ماضياً مشرفاً ولكنها لم تصنعه بل صنعت فقط نفسها حتّى باتت ما هي عليه اليوم الدكتورة نوال، حين أنهت صمتت لبرهة ثمّ قالت"هذا أنا.. لم يغفر لي وطني ذلك الماضي إلّا حين أخفيته.. أتغفره أنت وقد ظهر؟ " ثمّ انصرفت تاركةً خلفها بحراً من الدهشة والصمت وحتّى الاشمئزاز وكثير من الحزن والحب.


آمال بوضياف    

ما لا يغفره وطني (2)



حضرة أب

تنظر إليه عبر ثقوب السياج، تنغلق عيناها من ابتسامتها الصامتة، تنقبض روحه وتخنقه الحسرة يحدث نفسه: "صغيرتي المسكينة كبرت قبل الأوان" يضع أصابعه عبر تلك الثقوب يبحث عن ممر لبصره حتى يجمع كل تفاصيل وجهيهما، يتشجع.. يسأل باختناق وليد الشوق الخجل والحسرة : " وفاء عمر كيف حالكما ولديّ؟ " تتسع ابتسامة وفاء وينقبض وجه عمر تجيب بفرح مضطرب بين فرحة رؤيته وحزن غيابه الدائم: "بخير أبي المهم كيف حالك أنت، أخبرنا المحامي أنّ جلسة الاستئناف بعد خمسة عشر يوماً" يبتسم نصف ابتسامة بجهد يقول إن شاء الله علناً ويلعن المحامي سراً، يحتفظ عمر بصمته وحزنه معاً كأنّه يخشى البكاء في غمرة اللّقاء تلك وسلطة الحديد الفاصل بينهم، يكسر الأب صمت ابنه يسأله: " عمر بنيْ لما الصمت، أعلم أنّ الوضع صعب عليك أنت بالذات، تحملت العبء باكراً وفاة والدتكم أولاً... ثم دخولي السجن.." يصمت لبرهة " كن قوياً صغيري أرجوك.. لأجل أختيك" ترن كلمة صغيري في قلب عمر تجتمع في عينيه دموع ثلاث سنوات لغياب أمّه وعام لغياب والده وتمسك وفاء وسلمى الصغيرة بذراعيه، يمسح تلك السنين بسبابته وإبهامه في خفة يقول: "لا تهتم أبي... كن واثقاً أنّي معهما كأنك موجود"
يعود إلى الزنزانة كما بعد كل زيارة يتذكر الكيس الأسود الذي كان بين أكياس الاسمنت البنية، يلعن اللحظة التي لم يتفقد محتواه، يردد بهمس وسخطٍ معاً: "تباً، لقد كان أسود... أسود، كان ظاهراً ينادي الناظر، لكنّي كنت أعمى البصيرة... خطأٌ لا يغتفر... لا يغتفر"
كان صباح يومٍ مشمس حين اقتحم الأمن مكان البناء، أمسكه عنصرين بقوة بينما أخذ الباقي في تفتيش كل شبرٍ، كان يتساءل باستغراب عمّا يحصل، لم يخطر بباله الكيس الأسود ولا أي شيءٍ آخر، لم يسأله أحد أيّ كلمة فقط سيق بحنق وكراهية إلى مكتب التحقيق:
"ماذا كنت تفعل هناك؟ " يندهش، يجيب: "أنا أعمل هناك.. أنا البناء" يبتسم المحقق بسخرية يقول: " البناء، أتعرف لما اعتقلت؟ " يرد بحيرة أكبر: "لا أبداً فأنا إنسان مسالم ليس لي أيّ مشاكل مع أيّ شخص" يقترب المحقق منه يقول بصوت ثابت: " لا داعي للتمثيل، اعتقلنا العطار واعترف بكل شيء هو من أخبرنا بمكان البضاعة واعترف بأنك شريكه" ينظر إلى المحقق يسترجع أسماء آخر من تعامل معهم، يسأل: "من هو العطار؟ " يجيب المحقق على غير عادته: "عبد الكريم بن قرمي" يثبت بصره ببصر المحقق يفكر بصمت: "عبد الكريم جاري وصديقي.. عبد الكريم لا يمكن.. مستحيل.." يصرخ به المحقق يخرجه من شروده " ألا تخجل ألم تفكر يوماً أن تلك المخدرات قد تصل أبناءك يوماً؟" يحتفظ بصمته مدهوشاً، يهمس يرفع صوته المبحوح شيئاً فشيئاً " مخدرات.. لكنّي لا أعرف أي مخدرات ولا علاقة لي بنشاط عبد الكريم" يشمئز المحقق من إنكاره: " كلكم تقولون هذا.. لكنكم تدفعون أبناءنا إلى الجحيم" يقترب منه يحاذي أنفُه أنفَه يواصل "لا القانون ولا أنا ولا الوطن سيرحمك يا حضرة الأب"
"حضرة الأب" جرحت أبوّته وخنقت تلك الطيبة في قلبه وأبكته حرقةً، مازلت صورة أبنائه الثلاثة راسخة في ذهنه حين نطق القاضي بخمسة عشر سنة سجناً نافذة، أخبره الجميع أنّ الاستئناف في هذه القضايا لا طائل منه بدون أدلة، ورطه العطار ليحمي صاحب المكان الذي كان يعمل فيه، مقابل أن يتكفل بأسرتيهما خلال هذه السنوات، حز في نفسه أن يحب أبناءه الرجل الذّي حرمهم حضرة الأب، حزّ في نفسه أكثّر أنّه لا يستطيع إخبارهم الحقيقة.. أنّه لا يملك دليلاً واحداً يثبتها .
ستكون سلمى الصغيرة في الواحد والعشرين من عمرها حين ينهي سنوات سجنه، ستكبر بدون أب، ويصبح عمر أباً منذ المراهقة ووفاء أمّا رغم طيشها لأن وطني لا يغفر بعض الأخطاء ولا يعرف عنها شيئاً. 


آمال بوضياف

ما لا يغفره وطني (1)

مكافأة في وطني

تشير الساعة إلى لا وقت، خالية من عقاربها عارية من حقيقتها منبوذة كذاته اللحظة، تتسرب برودة الظلام في تلك الغرفة المقصية من الوجود إلّا من وجود السجن إلى جسده المنهك من ثلاثين عاماً قضاها حاملاً قطعاً لا تحصى من الطبشور، الطبشور الذي مازال تحت أظافره عالقاً.. ساكناً بين خلايا جلده، معششاً في رئتيه وشاهداً على أجيالٍ وأجيال.
جالساً في ركنها مع من ظلمتهم الحياة أو ظلموا أنفسهم كأنّه "..." يبحث في ذهنه عن تشبيه أو كلمة تليق به هو المربي السجين، يجلس بينهم فيكمل كأنّه "السفاح" سؤال متوقع في ظلام المربع: "ما تهمتك؟ " الإجابة: "عاقبت الولد" التعليق: "لا بد أنك مزقته" يضحك بسخرية من دوران الساعة الخالية من العقارب، لا يجيب لكنّه يلعن حرصه على الولد.. يلعن التربية والتعليم.. ويلعن السلوكيات المنحرفة التي يأتي بها كلّ جيل جديد، يهمهم: "أمّهات غياب أمام التلفاز أو في العمل، آباء يركضون خلف الخبز، وأولاد يأكلون "الساندويتش" ويربون أنفسهم" يتكرر السؤال مرة أخرى لكن بإصرار: " ماذا فعلت للولد؟ " ينظر أرضاً يجيب: "ضربته على يده لكنّه تحرك بطريقة ما فسببت له أثراً.. " يتم بهمس "..طفيفاً" يضحك المجرم بل يتمرغ ضحكاً يعلّق: "أنت تكذب، لا بد أنّك أبرحته ضرباً" يفكر بصمت "ما دمت هنا.. فلا بد أنّني أبرحته ضرباً، ما دمت هنا.. لابد أنّني أكذب، مادام هناك طبيب محلف يشرب فنجان القهوة الضخم ليقدّم شهادة طبية بعجز لأسابيع وشهور.. لا بد أنّني السّفاح"
يسكت عن الضحك ينظر إليه بشفقة.. يقول بجد أكبر: "بابا ما تزعفش1، والله لا يستحق أحد حزنك أنت ربيت أجيالاً وأجيال وهذا شرفك وكرامتك.. لا يستطيع أحد إذلالك"
يرفع رأسه ينظر إليه وإلى المكان لا ينبس ببنت شفه لكنّه يتذكّر حديث زوجته: " لا تعاقبهم، الله لا جْعَلْهُمْ يَقْراوْ، غداً يسببون لك المشاكل، آباؤهم مرتاحين وأنت تهتم؟؟" يتذكر رده بحزن مخلوط بالندم: "لا أستطيع ترك الأولاد يضيعون، أنا لا أأذيهم فهم أولادي لكن.. بعضهم تعوّد العقاب من صغره وتربى عليه فلا يغير سلوكه بغيره، هو مجرد تنبيه لكن ملموس" امتعضت بصدقٍ من رده وقالت: "اسكت يرحم والديك، ستندم على حبك هذا يوماً، واش يجيك من الناس قل لي." يهمس: "ماذا أتاني؟ هذا ما أتاني"
أسبوع كامل من التحقيق والسجن، ورغم أنّ الولد لم يكره المعلم ومازال ينتظره كل يوم، ورغم أنّ الأثر ما كان ولم يوجد أصلاً، صدر القرار بالتوقيف عن العمل والإقصاء كمكافأة نهاية الخدمة، يستلم القرار يقرأه بتمعن ينظر لكل من حوله، يتطاير الزبد من فمه يسقط تدريجياً على الأرض، يرى ثلاثون عاماً تمّر كلمح البصر.. يبتسم.. بالكاد يقول: "شكراً" يشهّد بطلاقة ويغادر حاملاً قهره والوطن حين يتضافر لكي لا يغفر.

آمال بوضياف
2013

قصة عربي (2)

يحمل جرح جده وحزن أبيه وخوف جيله من الظلمة، يكره طعم الخبز المرّ والبدلات الزرقاء أو السوداء أو الخضراء، تعددت الهراوات واليد التي تضرب واحدة، يعاند تلك الزرقة البنفسجية تحت عينه والسباب الداكن الذي يلوكه سخطاً بين الشفاه، يموت على رصيف الوطن مرات ومرات، ويحيى في قلبه مدفوناً تحت أنقاض سنين من الفساد، يغضب على غير موعد، يغضب على حين غرّة.. يفجر خمود التمرّد الذي دخل السبات منذ عهد الاستعمار الكلاسيكي، يعشق بعد عذابات مريرة من التقلب على جمر الجوع والعطش والبرد والضيم.. الفوضى والصراخ والتكسير وقلب الكراسي وكسر أرجلها، ما عاد هو أو علّه بات أخيراً هو... عارياً اليوم في الشوارع يركض كاشفاً عورات الانضباط والنظام، منذ متى كان خجلاً من جسده منذ متى تعايش مع كساء الاستعباد..؟ ما عاد يذكر.. علّها استطالة السنين المنسوجة بأنواع من القهر أو هو الخبز المعجون بالدموع والدم، مازال حزيناً يدفع لكرامته لحماً بشرياً يقتطعه من أعضاء أخيه وابنه وابنته وأمه وزوجته و..و..و.. عارياً لنفسه أمام مرآة رفض النظر إليها في زمن مضى حيناً وصيروها في ذلك الزمان حين فكّر النظر إليها شظايا أحاييناً يعرف كل تلك الندبات والثغور والاقتطاعات كم سيبكي بعد؟ ماذا سيخسر أكثر؟ أيجوع الإنسان جوعاً غير الجوع؟ أيعطش الإنسان ما يشبه العطش؟ أتهان الكرامة أكثر مما أهينت؟ تساءل وتساءل... ما عاد يريد انتعال جوعه ولا اكتساء صبره، ما عاد يريد تجرع كبريائه كلقمة مرّة.
تقول أمّه يكفي وليت الذي كان ما كان .. ليتنا نأكله أسوداً وعفناً لتبقى سالماً... يتحسس حزنه وجرحه يبحث في كرهه لهذا الوطن عن حبه له يبحث لفصل الضحك المبكي في نفسه عن بعض ابتسامة ... يقول بكل بساطة تعبت و"تباً".
حمل على غير كل ما كتب التاريخ حاسوباً وشبكة، سيحرق ما تبقى من روما... ويعيث فساد البيزنطيين والوندال، سيحمل مع الدمار والسلاح راية مطالب شرعية.. سيبكي ويموت ويكتب تاريخاً جديداً في بحثه عن سطور خالية من الكذب، هو اليوم أكثر منه أمس، هو اليوم الرجل الجريح القلب والكرامة، رجل ما عادت تنفعه المسكنات.. رجل استسلم لوعيه..
عربي يكتب قصته الأخرى وهو مؤمن بأنّ زمن ياجوج وماجوج يسبق زمن المهدي المنتظر.

08/07/2012

آمال بوضياف

قصة عربي (1)

 منذ زمن... منذ زمن بعيد أوقف عقارب الانتظار وحطم كلّ ساعات التطلع، لا معنى لكن فقط سلال من فراغ كعزاء، كئيب يلتف في حزن ابتسامة ليعيش فصل الضحك، ثم ينتحر على عتبات الاختناق في دمعة فارة من المعتقل، يقول: " إذا سدت كلّ الأبواب من حيث لن تفتح... لابد من الكسر" يتعجب ثم يمسح علامة التعجب لأن وجودها أغرب من النقطة، عليه إذاً أن يحارب من دون سيف من دون بندقية من دون قلم من دون حاسوب، لا ينتمي رغم الألفية الثانية لأي عصر، يفكر في أن يبيع الهوى لكن في زيّ ممثل أو لاعب كرة قدم... أو حتى مغني بدون صوت لكنّه لا يعرف الطريق إلى جسور المتعة والرفاه، من أين يبدأ، يتاجر في المخدرات... جبان يخشى السجون رغم أن "الحبس للرجال" يهرب كل ما يؤكل ولا يؤكل عبر الحدود... جبان أيضاً يخشى المهربين والحارسين عليهم ومنهم، ربمّا يسرق... لم يبق في البلد ما يسرق إلّا على أعلى المستويات، ينظر نحو الأعلى بعيدة هي السماء... قالوا عليه أن يركض... منذ زمن وهو يركض ويقفز إن تطلب الأمر رياضي بلا رياضة وممثل بلا عدسات تصوير وهدهد عند الحاجة، لكن تظل الأبواب مسدودة بل هي غرف من دون أبواب لعالم لا ينتمي إليه...
ضيع التعجب واندثرت النقطة وخلع عنه حزن الابتسامة لينهي فصل الضحك المبكي، يلبس أخيراً علامة غضب، ويلحق بعقرب من عقارب الموت إمّا على شكل قارب يخوض العباب نحو أوطان تكرهه أو مجاهد يقطع رؤوس الأبرياء و يمزق أجسامهم أنْ في سبيل الله... يئن في الحالتين يحلم مع سكرات الموت بأمه وزوجة لم تكن وأولاد لم يأتوا ووطن لم ينتمي إليه رغم المسمى جنسية، يحلم بدفتر صكوك ليس برصيد كبير بل بأجر نهاية الشهر رغم الضآلة، يحلم على عتبات الموت بحياة عادية أو أقرب... نهاية عادية لعربي يحيى القرن الواحد والعشرين.
08/07/2012
آمـــال بوضياف

نوبة ربو.. في منتهى الأنانية



 عدت يومها باكيةً، كان جموح الدموع في أسره ذاك أقوى من أن يهدأ أو يروض، قطيع من الأحصنة الغاضبة الحزينة.. أحصنة هوجاء متمردة تندفع نحو العلن، ما عادت تبالي لا بالسماء ولا الأرض ولا تلك العيون التي لا تعرف عن الذي يحدث سوى امرأة تمشي باكية، خذلتني للمرة الأولى والأخيرة، للمرة الوحيدة والأخيرة ..
ركضت نحو الموعد.. نحو الموقف حيث اتفقنا، لم أجدك... نصف ساعة كانت كفيلة لأن لا أجدك، جاد حاسم في قراراتك كما عهدتك، انتظرت نصف ساعة أخرى علّك من تأخر مع أنه مستبعد، واستسلمت للقدر أخيراً وعدت أحمل خيبتي.
تذكرت كيف أننا كنا واحد فقط، أنت تتكلم وأنا أستمع، أنت تقرر وأنا أنفذ، أنت ترسم الطريق وأنا أسير، مشاريع أحادية فقط كنت فيها الجزء المتلقي مهما كانت النتائج، تقرر سفرك ذاك فجأة.. رأيت فيه فرصتك الذهبية، طموح كعادتك أيضاً، قلت عندي يومان لأخبر أهلي ونستخرج عقد الزواج ونسافر معاً، لم تدع لي فرصة لا لأتكلم ولا للسؤال ومضيت، لتتصل مرة أخرى وتسأل ما حلّ بموعدك مع والديّ، كنت سأشرح عبر الهاتف لكنك رفضت، قلت أنك تريد أن تراني وأنا أحمل قراراً في مكان وساعة حددتهما أنت وقلت "إن لم تأتي سأفهم..."
تأخرت يومها لأني اضطررت أن أساعد امرأة لا أعرفها ولم أرها قبلاً، تعرضت لنوبة ربو لم تتمكن من سحب بخاخها من حقيبتها واستغرق استعادتها لأنفاسها وقتاً، ساعدتها لأعرف مساحتي في حياتك، موقعي بين أولوياتك، لم أكتشف أنه لم يكن لي موقع ولا مساحة بل واجهت ذلك فقط. علّني كنت ضرورة.. مجرد ضرورة لكن يمكن الاستغناء عنها.
سافرتَ ونظمتَ كل أمورك، علك حين أخذت ترتب أولياتك من جديد وجدت المرتبة الأخيرة فارغة، فتذكرتني لتتصل اليوم، تعلمت منك ألّا أنتظر أحداً فلم أنتظرك، تعلمت كيف أكون الأولوية رقم واحد عند نفسي قبل غيري فما عدت تعنيني، تعلمت كيف أرفض وأتمرّد، كيف أن الأنانية مسموحة في الحب فقط كي لا أكون نسخة عنك.
ما بكيت يومها لأنك تخليت عني بمنتهى السهولة، بل لأني لم أتمكن من النظر في عينيك للمرة الأخيرة معلنةً رفضي، سافرتَ دون أن تعلم أني امرأة مستقلة، لأني حين فكرت في السفر معك، طفت أحلامي الخاصة ومشاريعي على السطح.. وتساءلت عمّا أفعله بها.. فأنا لا أجيد تحنيط الأحلام.
أخذت قراري بنفس السهولة التي نهجتها، لكن حزّ في نفسي كثيراً أنك لم تعرف قدرتي على الرفض والمواجهة علّه غباء الأنثى حين يطغى على كل الأولويات، ملاحظة لم أخبر والديّ عنك... لأنه ما كان من ضرورة لذلك.
لا تبحث عني ولا تتصل بي.. لأنك كنت نوبة ربو عابرة، أسست بعدها حياةً جديدة رغم أنانية الحب خالية من الأنانية.
آمال بوضياف
2012

رحيق ذكرى



 لم تقصد الإهانة كانت مجرد ردة فعل غبية منها في لحظة هروب من لون عينيه الأزرق، وهمسة صراع داخلي لم تملك كتم نفسها، قالت له أنه فاشل رجعي يبحث عن علاقة للخيبات أنه يلمع واجهة كريستالية ليعرض فيها مبرراته، مع أنها كانت موقنة أنه ما بيد كليهما حل ولا حيلة... لم يعلم حينها أنها أغمضت عينيها مراراً من بياض وجهه وشفافية تلك البسمة التي كانت تراها رغم غيابها، لم يعلم أنها بكت لا لأنها ما وجدت حلاً لمركبهما الذي يغرق ببطء بل لأنها كانت في تلك المرحلة المتقدمة للهلع تتخيل حياتها بدونه... لم يعلم أنها في حينها صرخت به جهراً ولكنها ضمته سراً... آخر لقاء كان أمر من الفراق نفسه.. لم يعلم أنها لم تستسلم أبداً ولكنه فعل، كان عليه أن يتخيلها وقد حملت سيفها الخشبي في وجه مدفع لأنها اعتقدت أنه خلفها بل في جسدها يحمل عنها اليدين ويدعم الساقين... اعتقدت أنه الفولاذ المخبأ في قلب لعبة الخشب.. وحين تحسست كلها ووجدتها بعظام فقط وانكسر سيفها حين اتكأت عليه.. حين فتحت حصان طروادة ووجدته فارغاً... ضحكت وبكت... ثم اندفعت  ببعضها وبقايا قوتها... لأنها مع الحب كانت تدافع عن مبدأ... ورغم الضعف كانت تبحث عن ذاتها... ذاتها التي كانت في مرحلة ما معلقة به... رحيق ذكرى وضعف لتشكره لأنّها باتت أقوى وآمنت أكثر كيف أن الحب قوة واستمرار... رحيق ذكرى لتخبره أنها معه تعلمت كيف تعيش اللحظة وتدافع عن الغد، لو يعلم اليوم لو أنه يومها التفت فقط وصب على لحظة الغضب تلك.. رحيق ذكرى -رغم بشاعة اللو- لكانا كتبا قصة أخرى ربمّا عسل ذكرى أو تبعات ذكرى... لكنّ القصص الجميلة تبتر  وتبقى رحيقاً للذكرى .
آمال بوضياف
2012

جواب مفقود



دخل بيت العمر القديم يراجع شقوق الجدران يتذكر وجهها على طريقته القديمة، كانت تفاصيلها في كل أركان الغرف... يعشق الرجل عادة أكثر من امرأة لكن هو... هو رجل المرأة الواحدة، تعلم الحب من عينيها التي لا تجيد سوى إثارة الأسئلة وتعلم الهرب إلى صمته الذي دام عشرون عاماً، حين التقاها أول مرّة في الحي علقت فؤاده ثبتت نظرها بنظره لثواني ثم انصرفت، كانت ستقول شيئاً لكنها لم تفعل، في الثامنة والأربعين اليوم ابتسم، لكنّه يومها في الثامنة والعشرين عبس وردد بحيرة "لكن... "
لم تكن جميلة حد إغرائه ولكنها أسرته بتلك القسوة والغضب معاً في عينيها، وجرته لسنين خلف سؤال واحد "ماذا كانت ستقول؟ "
ظل يراقبها ويمشي خلفها حتّى تعلم كل عاداتها،  سار تحت المطر والبرد شتاءً، تحمل الصقيع ربيعاً، كان يرى ما تراه ويبتسم لما تبتسم له، يصل متأخراً لعمله بينما تصل هي في موعدها، ينتظرها على الغداء ليطلب ما تطلبه، يراقبها وهي تأكل فينسى غداءه غالباً، يرافقها مساءً ويتجول خلفها بين المحلات، قد يشتري ما تشتريه حتى لو كان عطراً نسائياً أو كتاب طبخ، ينتظرها في اليوم الموالي بثيابها الجديدة إن اقتنت ملابساً.
في قرارة نفسه عزم تكليمها، أمّا شجاعته فلم توحي بذلك، سار خلفها صباحاً دون جدوى انتظرها عند الغداء، جلس غير بعيد، تشجع.. دنى منها.. استأذنها لكنّها لم تجبه ظلت تنظر ذات النظرة، كانت ستقول شيئاً لكنها عدلت، أشارت أن يجلس، ظلّ صامتاً ينظر إليها كاد أن يقول شيئاً لكنه بالمثل لم يفعل ثم انصرف.
بين الهزيمة والسخرية تأرجح طويلاً نظر بكل تمعن لكل غرفة كان يدخلها في البيت الصغير الصامت، ذاك الطلاء الزهري كوجنتيها، السقف الأبيض كبياض عينيها، النافذة بنورها كوجهها، الأثاث البني كثوبها، إلى حد ما كره نفسه في كل تلك الأشياء بقدر ما عشقها. 
بأسلوب غريب للهرب قبِل عرضاً كان قائم وغادر البلد، عاش عشرون عاماً يكتب رسائل الشوق ويطرح ذات السؤال: "ماذا كانت ستقول؟ " هذا بيته الصغير غيّره الزمن أمّا تفاصيله فعلى حالها مثل حبه تماماً.
زار صديقه القديم، وجده أباً لثلاثة أطفال، سأله عنها في شكل يبدو كمجرد سؤال مثل باقي الأسئلة، أخبره أنه حاول الاتصال به مراراً بعد سفره دون جدوى لأنّها سألت عنه طيلة الأسبوع الذي تلا رحيله وسبق وفاتها في حادث، نظر إلى صديقه اغرورقت عيناه كاد أن يقول شيئاً لكنّه عدل عن ذلك، ليظل الجواب مفقوداَ.
آمال بوضياف
2012

رحيل




كانت تقف ترمقه بنظرة تعرف أنه لن يعود، أنّها آخر مرة ترى توليه عنها، لابد وأنه حزين تدرك ذلك بل كان مفطور الفؤاد، فهذه نهاية لم يتوقعها ليكتب في سجل أيامه الكئيبة يوم لا يشبه تلك التي توقّع بؤسها وحضر له صفحات كثيرة.. لم يتوقع ذلك ليترك صفحة لـ:"يوم بلا حب" كانت تفّكر بوجه لا يعكس امرأة خسرت حبها، كان وجهاً لامرأة أنجبت لتوّها قراراً ربّما حطم فيها بعض الأنثى ولكنه بعث المرأة بل الأم التي تبحث عن صفحات أكثر نصاعة من تلك التي كتبت عليها طفولتها  وشبابها لأولادٍ لم تنجبهم بعد وهي لا تعلم حتى إن كانت ستنجبهم.. أطفال لا تعرف عنهم سوى أنها تنتظرهم...
لحظات بعد مضيّه في اتجاه كان لهما معاً أعطت ظهرها لظهره وعادت تدوس نفس الخطى لكن ليس لنفس البداية، وجهه الأخير فقط ما تحمل من أربع سنوات من الأحلام التي كانت تخلق في رحم الحب وتجهض على  سرير الواقع بلا أدنى ألم في اليوم الموالي...
لم ينبس ببنت شفه، فقط تجهم... ثم انطلقت أساريره موشّحة بابتسامة شاحبة، لم يتنهد كما كان يفعل مع كل انجراف يحصل في أرض مضيّه نحو ابسط حلم، انجراف تلوى الآخر حتى غدت أرضه محض موضع قدم، أجل... جُرفت هي مع كل تلك الوحول ما كانت تريد أن تسأل ما عساها تفعل بعمرها الذي يمضى ولكنّها لم تعده كما كان يفعل.. ربّما لهذا لم يتنهد
سألته ذات حلم، إن هو يعرف ما الفراق، ابتسم بلا حزن.. ابتسم بوجهه هذا الأخير وقال: " ليس الفراق أن يترك أحدنا الآخر... الفراق أن يسرق أحدنا من الآخر" ابتسمت يومها وتساءلت كيف يسرق البشر... همس لها ولنفسه.. أن تتركها للأيام..
مازالت تمضي وتفكّر أنّ كلاهما كان يعرف كيف تسرق الأحلام وكيف تقتل.. كيف أن القلب يغادر طوعاً قطاراً يشق صحراء الأمل، ليستقل آخر يمضي في عواصف المطر..
جلست أرضاً... انكمشت على نفسها.. بكت.. سألها المارة عمّا بها كانت تردد: "مغص.. مغص حاد.."  تهمس "غصة... غصة.. سأختنق" رفعت رأسها نحوهم.. كانت تنظر في أعينهم باحثة عنه.. قالت باكية: "أظنني سأجهض.." همست "بل أجهضت" عمت الفوضى المكان.. أصوات مختلفة ".. لدينا حامل اطلبوا الإسعاف.." على حالها مازالت تبكي... تحترق كلماتها في الدموع: "لا داعي.. سأعود.. سأعود"
وقفت.. سارت بخطاً وئيدة.. تستند على كل ما تمّر به.. ركضت.. دخلت أرضه بحثت عنه في الصمت والفوضى.. لم تجد حتى عطره.. قيل أنّه استقل أول طائرة للأحلام.. غادر ماضيه نحو أحلامٍ على اتساع مداها تسرق العمر..
رحلة الرجوع مع وجع أسفل البطن أو في الصدر لا تعلم تحديداً، علّها لم تكن الوحيدة التي بحثت لنفسها عن وطن آخر.. علّها الآن تفهم حزنه الذي كبر حتى اختفى تحت مجرد ابتسامة شاحبة، علّها الآن تدرك كيف يسرق البشر... علّها أدركت أخيراً أنّ هناك قلوب خلقت لبعضها لكن.. مقدّر عليها الرحيل.. مهما كان مسمّى السبب، تماماً كالشعوب والأوطان.

همس السؤال



مساحات من الصمت العقيم وجبال من السكون، سماء الكآبة تغطي أرض الزمن وسحب الفراغ تحجب خط الأفق، وجرح في القلب ينزف أسئلة حارقة دون أن تضمد اتساعه الأجوبة التي ضاعت مع اختفائها المفاجئ أو حتى تهدئ حمّى الحزن فيه، يسأل همساً "أين أنت؟" "لماذا أنا؟" "أين وعدي؟"، وجدت إسرائيل.. غزة تسحق… السودان ينقسم.. سقطت بغداد.. يجزم بعبوس أنه يعرف لماذا.. ولكنّه لا يعرف أين هي، يهمس دوماً "آه بغداد.. ستنهض بغداد دوني" شدت الرحّال في ليلة هادئة ليوم هادئ، قالت في آخر لقاء "أحبك كثيراً" كما في كلّ آخر لقاء، لكنها لم ترجع من بعده عناوينها مسحت ولم يكن هناك ظل عند المنعطفات ولا أبواب  يسمع صوت انغلاقها عن بعد تحت ضوء مصابيح الشوارع، أتراها احترقت في تونس أو انفجرت في بركان مصر، أو ربما ضاعت في شتات ليبيا أو حتى دست تحت تراب سوريا، وفي كل هذا الصخب يسمع طنين الصمت، في كل هذه الفوضى يحيى عصر الفراغ، جائع القلب مرتعد الأمان، كانت معه في كل ارتعاشه الذي مضى، علّها تركته ليثور وينقلب ويغير مصيره وإن دفنوه تحت طبقات من ظلام التراب.
آماله حيّة بعيدة، علّها في بحثه عنها تحيى وطناً آخر ، هي قصة ككل القصص.. هي قصة كل الشعوب.. ولكنّها ولابد ستؤول إلى ذكرى تبعث السؤال همساً.. "أستعود يوماً؟؟"
آمال بوضياف
2011

أبواب مغلقة



لم يخطئ يوماً الباب و لا حتى استعمال المفتاح يقال "سكران ويعرف باب داره"... يركله بشدة.... كماتعود مؤخراً يصرخ بكل ما أوتي صوته من مدى ومتسع في ذلك الفراغ الأسود يتمايل دون أن يسقط "يا مرأة... سأقتلك... سأنهي عذابك..." 
سيقتلها... ولكنّه الليلة نسي أنها ليست بالبيت ليفرغ جم غضبه في عظامها وما بقي من جسدها، يجلس عند باب إحدى الغرف وقد انتابته نوبة بكاء من الأعماق... حزين حد النحيب... لم يجدها !!!  من سيروي له قصة الفرج ومن سيحكي له عن الأبواب التي تغلق في وجه المؤمن... لأن المؤمن مبتلى.. يتمدد في مكانه يناديها وهو يعدها بأنه لن يضربها ثانية... بأنه لن يسكر ثانية.. أو ربما خامسة أو عاشرة هي أدرى.. يسترسل في قص حياته منذ الولادة.. "حين التقيتك أخبرتك بأني ولدت وفي فمي سكين، وأني لم أر ملعقة الذهب ولو مصادفة، والدي كان عامل بسيط في أحد المصانع، ولكنّه أغلق" يتوقف عن الكلام للحظات يقهقه فجأة ثم يواصل " تعلمين أنّه لم يغلق بل أفلس بعد أن نهب مسيّروه بالتتابع كل أمواله، طردوا العمال ومنهم أبي" يتخذ وضعية التفكير وهو ممد.. يضع ساقاً على ساق يقطب حاجبيه كأنه يتفقه في أمر ما يهز برأسه وبقايا الدموع ما تزال عالقة بعينيه " أذكر تلك الفترة جعنا كما لم نفعل لا قبلها ولا بعدها، ظلّ والدي  شهوراً بدون راتب، لذا كان حريصاً على تعليمنا نحن الثمانية،" يقهقه مرة أخرى وهو يرسم على وجهه علامات التعجب "لم يكن والدي ميسور الحال ولكنه أنجبنا نحن الثمانية... أضيفيه وأمي وجدي وجدتي... كنا إثني عشر.. كان والدي يقول شهاداتكم هي نجاتكم من الفقروالحاجة... لأنه تخلى عن مقاعد الدراسة بعد نيله شهادة المتوسطة وانتقل إلى عالم الشغل ليساعد والده في حمل مصاريف البيت... لم يكن زمنهم كزمننا... لأنه بعد كل تلك السنين حين طرد من عمله لم يجد عملاً آخر لأن تلك الشهادة لم تعد تؤهله في زمني... إيه يا أبي أنا اليوم أحمل ثلاث شهادات ولكنّي لا أجد عملاً.. وزوجتي رحلت وعقد إيجار البيت سينتهي.. كل الأبواب مغلقة " تنتابه حالة البكاء مجدداً يعتصر حزناً... في ذلك السكون الخالي من كل صوت ما عدا نحيبه... سمع حركة مفاتيح ثم باب يدفع.. لم ترحل عنه بل كانت بالجوار فقط.. ربما تأخذ قسطاً من الراحة... ربما كان وقتاً مستقطع.. لتبدأ شوطاً جديداً.

آمال بوضياف
2010

الوطن في عينيها همس الخيبات




أرغمتِني بعد سبع عهود من البياض، على حمل القلم مجدداً، وتحميل الورق بعض جنونكِ وتمردكِ أبعد من مجدداً، بعض جموحكِ وانحرافكِ عن الشذوذ ببضع حروف.. كأقصى نقطة بعيداً عن مجدداً، ما زلتُ أعتقد بوجود ما يشبه الشذوذ تحت سماء الوطن، ذاك ما تعلمته من عينيك، تعلمت كيف أسير بين الرصيف و الطريق، كيف أصيد بشبه شبكة، كيف أخيط دون إبرة، كيف أجامل دون أن أبتسم، كيف أكون غيماً.. لكن دون مطر، تعلمت متى يحمل القلب الوطن و متى يحمل طيفه..

في الربيع الثالث أنتِ اليوم تبدين أكثر نضارة وأكثر مكراً... تختبئين خلف نظّارة شفافة على الرغم من حبكِ الكبير للكذب.. للتَّرشف من فنجان التَّلاعب على أقل من مهلك، على يقين أنا، لو أن سحبك نبأتكِ باحتمال اجتماعنا بقطرة مطر واحدة.. للبستِها سوداءً كمطارية، لا أخفي دهشتي الغارقة في الفضول من دهشة فضحتها نظرتُكِ القاسية نفسها... مازلتِ تحتفظين بكل تلك القوة، دهشة مسحتِها بكل خبث ببعض ابتسامة خالية من كل إنسانية موغلة في الأنوثة... وخزَتني لثوانٍ لكني سحبتها بمشهد من الذاكرة مشهد لقائنا الثاني في المكتبة بعد جدال ساخر دار بيننا في أول لقاء... حين التقيتك للمرة الثانية للغلطة الأكيدة.. طلبت منكِ القلم وفتحت لك أبواباً، أرسلتِ نفس النظر فطوقتني وابتسمت نفس تلك الابتسامة فحبستني سنيناً وقلت ببساطة أن القلم لا يكتب، سألتك حينها كمدّعٍ للسذاجة لماذا تحملينه إذا كان لا يكتب.. ضحكت وقلت: "لا أستعمل الأشياء بالضرورة لأغراضها" وأدخلتني بكل تلك الأشياء التي لا تُسْتَعْمَل لأغراضها في دوامة لم أخرج منها إلّا بعد رحيلي بعدة انتكاسات.. لطالما أتقنتِ لغة الحرب و عجزت أمام لغة الحب.

تجادلنا في المحاضرة الأولى لأن بن لادن حسبك صنع أمريكي وطالبان أصابع أمريكا في آسيا، و بالتالي القاعدة إنتاج أمريكي يصدّر على أعلى المستويات.. و كمحصلة لا وجود للقاعدة بل الموجود هو الإرهاب الأمريكي، سخرت مني كأستاذٍ محاضر يؤمن بوجود القاعدة غريبة دائماً كانت قناعاتك وافتراضاتك، ولكن ما لا تعلمينه أن سخريتكِ العلنية من محاضرتي استفزاز لا يذكر أمام استفزاز حجم عينيك وزرقتهما لصبري وتجلّدي، لم أكن ساذجاً ولكني ربما لم أكن ملتهباً بما يكفي في حضرة صيفك وجحيمك لأتحمل عطشه.. لأتوق لمجرد قطرة مطر... ففي غياب المطر تتشقق شفاه الوقت وتعجز عن تقبيل الأمل...
في زلزال بومرداس، توفّي صديقك ردماً تحت أنقاض بيته، صرختِ بي مراراً قلت أني و أمثالي السبب فيما حدث لأننا نجرح الوطن أو ما بقي منه بأكوام من الفاشلين.. أشباه متعلمين يحترفون الغش، يحترفون قتل الناس حتى في بيوتهم، هل كنت تتناسين عمداً نفسك في تلك العلياء من التفوق و النجاح، ربما معك حق لأننا ننتجهم عقولاً مهاجرة أو عقولاً مغمورة خلف الأنا الأكبر لهذا الوطن، تحملتُ كل اتهاماتك ونحيبك، لأني كنت أراك لأول مرة شرسة كلبؤة بأنياب و مخالب، شعرت فيها بأني حقاً لا أستطيع الاقتراب من حدود أرضك... علمت أنني أجهلك تماماً... وأنا لم أكن قد حظّرت لشراستك أسلحةً.. فتلك السماء في عينيك كانت مدعاة للأمان تماماً كما تقولين عن سماء الوطن... جميلة مخادعة...
وقبل أن يجف القلم، أحقاً صوت بـ (لا) للمصالحة الوطنية؟ كنت تعلنين أنك لن تسامحي الأيدي المغمورة في دماء الأبرياء أن الدم لا تزيله ورقة كتب عليها (نعم)، وأنها حكاية أخطبوط آن له أن ينفث سواده ليختبئ خلفه.. ليس المجرم فقط من حمل سلاحاً.. كثيرٌ هم من قتلوا بكلمة أو حتى بإشارة ..
كنت أيضاً أعتقد أنك حين تصوتين بـ (لا) ستهزم الــ (لا) الـ (نعم) بأكثر من نصف الوطن، فوحدك تحملين نصفه...
مازلت أحمل عينيك و الخيبة سماءً في وطني..
وسيم كان ابنك، لم يكن أزرق العينين ولكنه كان يفيض ذكاءً، لا تجعليه يشبهك على الأقل من أجل نصف وطن أفضل.

صاحب الأحلام المنتحرة: مدمن الخيبات. 

آمال بوضياف
2010

شرود




 غطت وجهها بكلتا يديها.. تهمس له أن أبعد نظرك عني أبعده لا أريد أن أنتحر.. دون أن يستجيب...
 قالت أفلتني من بصرك وفك قيدي لا أريد أن أغرق في بحرك...
ظل على حاله يبتسم..
وحين وصلت الأعماق... سحبها وقال: عفواً كنت شارداً.. هل قلت شيئاً

عبث طفلة



رسمت على الجدار زهرة كبيرة بقطعة  طبشور أخذتها خلسة من علبة المعلم، نظرت إليها مطولاً ثم تنهدت متحسرةً و قالت له:" أهي جميلة..؟"  تأملها بعض الوقت ثم علق "جميلة... كأنها حقيقية" هزت رأسها تومئ له بالنفي، أدهشه موقف الصغيرة ولم يفهم قصدها، لكنها دنت من الجدار ومررت يدها البيضاء الملطخة على زهرتها وقالت" بدون ألوان... كيف تبدو حقيقية؟" ارتبك وضاع منه الصوت، دنت منه وهي تغطي فمها باصابعها الصغيرة.. همست له مبتسمة "لن تبدو حقيقية حتى و إن لونتها..." وأرسلت بصرها نحوها تنفلت منها قهيقهات ساخرة متمة"لأنها على الجدار."

مجرد موقف..



                                 
     كنت يومها عائدة من الجامعة أسير بخطوات ملأها غرور الشباب، لا أعرف عن الغد سوى ما ترسمه لي الأحلام، لا تعرفني المرآة دون ابتسامة، أصعب امتحان خضته هو امتحان الورقة والقلم أين أكتب نجاحي الدائم، لم أفكر كثيراً في من حولي أو ما قد يحويه العالم من أوجه وتقلبات، كنت أعتقد أن الحياة يسيرة يسر تلك الخطوات التي أرميها دون معوقات، مازلت لم أعرف عنها ما يلزمني لأتوقع وجود الحفر.
في تلك الصبيحة قادتني الأقدار إليها، إلى تلك التي جعلتني أعيد التفكير بكل شيء، لم يكن لقائي بها صدفة أبداً لأني يومها تركت أهم محاضرة في الأسبوع دون سبب، رغبت العودة إلى المنزل لأني فقط.. مللت، كان الشارع أشبه بالخالي أسير فيه وأسمع وقع خطاي كدقات الساعة، رأيتها عن بعد دون أن آبه لها، لكن اقترابنا من بعض أثناء السير جعلني أنتبه أنها تسير نحوي، شعرت بأنها ستكلمني وذاك ماحدث، كلمتني بجمل غير مترابطة مشتتة، شرحت سبب وجودها هناك وأنها بحاجة إلى المال لتعود إلى مدينتها، كنت أسمع بعض كلامها ويفلت مني البعض الآخر، أعلق في نفسي بعبارات أكثر شتات من جملها: " تأتين مع صديقك من العاصمة في سيارته، يا لأخلاقك؟ تطلبين المال بعد أن تشاجرت معه ورماك هنا، ما هذا الذل؟ ولما قد أعطي مثلك المال؟ لما جئت معه أصلاً، ما الذي أخرج فقيرة مثلك من منزلها؟" كنت غارقة في تساؤلات كثيرة واحتقار كبير لها، لما قد تفعل بنت ذلك لو لم تكن منحلة الأخلاق، كنت أنزل بنظري من رأسها إلى قدميها وأصعد به مجدداً فعلت ذلك مراراً حد أن أبسط تفاصيل ملابسها  وملامحها مازلت عالقة بذاكرتي، وجهها الشاحب الخالي من أي بسمة عيناها الصغيرتان الخجلتان، اللتان لم تلتقيا ببصري إلّا نادراً، شفتاها، كانتا بالكاد تخرجان الحروف، يداها مجموعتان لا تنفصلان إلّا لوصف بسيط للمكان، بدلتها الرمادية المهلهلة البالية جداً، حقيبة يدها البنية الفاتحة القديمة التي لم يعد لمثلها وجود في الأسواق  حذاؤها البني المهترئ، و اضطرابها الواضح الذي شوش معظم كلامها، توقفت عن الكلام تنتظر ردة فعلي، حدقت بها لثوانٍ ثم قلت بكل برود أنه ليس معي فكة فاقترحت بسرعة أن أقف معها في الموقف وأدفع لعامل الحافلة المبلغ المستحق، فقلت بنفس البرود أنه لا يمكن لي أن أقف موقف الشبهة خصوصاً وأني أسكن بالمنطقة، فارتعش كلها وانطلقت مسرعة تلتفت إلي وأنا أقف محلي تطلب أن لا أخبر أحداً عنها،  أجبت بهمس مستغربة لما قد أخبر عنها الآخرين ووصفتها بالأميرة ديانا، أكملت طريقي إلى البيت يغمرني شعور بالاشمئزاز أفكر بها بلا انقطاع، كأني أفكر للمرة الأولى، كمن يسأل بعد أن يفيق من غيبوبة طويلة "كم مضى من الوقت؟ " شعورٌ سرعانما انقلب حزناً وانزعاج لا تفارقني صورتها.. دخلت في صراع دام إلى يومي هذا ما زلت أتساءل "ماذا فعلتْ يا ترى" ندمت يومها على موقفي وقسوتي لمت نفسي حتى أني لم أفارق الشرفة وأنا أنتظر فقط ظلها لألحقها، شعرت أنها غزال نازف في غابة ذئاب، وإن كانت بنتاً منحلة فقد طلبت الأسلم والأعف... والله وحده الأعلم بظروف الناس.
غريبة هي الحياة، أحياناً لا نحتاج إلى مختبرات لنكتشفها بل يكفينا مجرد موقف...
تذكرتها اليوم، عندما كلمتني ابنتي ذات الثمانية عشر ربيعاً تقول أن نقودها قد سرقت منها في محطة الحافلات و هي وحدها لا تجد من يقرضها ولا تستطيع العودة. 
آمال بوضياف
2010

ريشة الطفولة



                                      
     أي قدر يتربص به ليتذكره اليوم ذلك الذي سكنته غفوة الزمن أو ربما سكنها لسنين يراها قلبه المتعب من خنقه رغبة قديمة في اللقاء طويلة طول ليالي انتظار تلحفت بصيص أمل حملته نافذته الصغيرة صغر الطفولة التي فرت منه إلى عالم الكبار عبر طريق مختصر.. أي قدر قاد اليوم غائب الأمس إلى مدينة سعيدة و إلى  ذلك الباب..
     و قف الهاشمي غير بعيد ينظر إليه بذهول.. ترتسم صورته على زجاج عينيه الأسود مهتزة..  تعتريه ارتعاشة بحجم جرحه.. تجتاح العبرات موانئ مقلتيه كأمواج عاتية لا ترحم سفن الرجولة و التمرد الراسية فيهما منذ الطفولة.. تتلملم الصورة المهتزة بدل الانكسار..  ترتجف شفتاه في تحد لأي قوة.. يقاوم.. يحتضن انتفاضات ترسلها شهقات النحيب المكبوت في جوفه المظلم.. يتوارى في خفة خلف جدار قريب بالكاد قائم بعيدا عن أنظاره.. يرتمي أرضاً مستسلما لضعف غزاه بلا إنذار.. و يهمس بصوت مختنق كطفل في الثامنة:" أبي.. أبي.." لا يتقبل الكلمة التي تخلى عنها طوعاً و حن إليها كثيراً.. يعصر الشفتين يغطيهما بكلتا يديه و يضغط مغمغماً :" كلا.. كلا.. غير صحيح... ليس أبـ... لا تقلها.. لا ترددها" يعود به الزمن في ذلك الضياع بين مرثية الحنين و غزلية الحزن العتيق إلى صبيحة موت أمه حين أفلت يدها لاحقاً بكرته الجديدة  المتدحرجة على الطريق بين السيارات المسرعة .. لتلحق هي به نحو آخر أنفاسها .. نالت شرف إيقافها مقدمة شاحنة قذفتها أمتاراً بعيداً عنه.. التفت سعيداً بالكرة  فوجد الفراغ .. لكنه فراغ أبدي..  يتردد فيه صدى صرختها الأخيرة باسمه.. عقدة النجاة لم تبرحه بعدها و أصبحت نظرات الاتهام في عيون الناس لوحات شوهاء معلقة على جدران الذاكرة.. و كلمات خرجت من فاه والده لحظة حزن و يأس علقت كسنوفنية خالدة في نفسه مهدت الطريق لليلة هروب من خريف حار..  و لريشة الطفولة أن ترسم في ثقوب الغربال الذي لا يغطي الشمس سدادات قوية..
    مازال الهاشمي يحتفظ بكل تفاصيل تلك المشاعر.. حين لعن والدُه كرته الصفراء تلك و تغير بعد الحادث ملتزماً الصمت.. مازال يذكر حين تجنبه معلمه مراراً  و تغامز حوله أصدقاؤه .. كيف أن الشوارع كلها كانت تحوي صرخة أمه .. توقف لحظة عن الاسترجاع المر و استرق البصر نحو باب منزل جدته.. ما يزال الضيف محله ينتظر.. فلن يفتح له أحد.
عاد إلى ركنه يرسم بذات الريشة البريئة وجه والده.. يتساءل خفية عن نفسه إن كانت ملامحه قد تغيرت و إن كانت الشامة على صدغه الأيسر على حالها.. يعاود استراق البصر.. يمسح بقايا الدموع بكمه.. يتساءل مجدداً ما الذي عاد به.. يبتسم ساخراً مرجحاً موت زوجته الناعمة ذات الأظافر الطويل.. يصر أسنانه تعلق عيناه بالأرض.. يعلو في ذهنه صوت صراخ و ألفاظ قاسية تمزق روحه.. " أيها الشيطان الصغير... ابتعد ارحل.. تريد قتلي.. كما فعلت بأمك قبلاً .. أنت نحس .. ارحل .. ارحل.. " يحضن ركبتيه بقوة يهمس لنفسه و لوجه والده الذي لا يدافع عنه و لا يحمل غير الصمت و التعب.." أنا لست شيطاناً أنا لا أغسل الأواني أنا لا أمسح الأرض... أنا لا آكل بقايا الطعام.. أنا فقط أكرهكِ.." يمسح مراراً عينيه الدامعتين.. يضج جوفه بغضبٍ و تمردٍ قديمين.. لمقاتل حوصر ففضل الانتحار على الاستسلام.. غضب سكنه ليالٍ قبل ستة عشر عاماً إلى جانب براءته .. فأي معول تصبح ريشة الطفولة حين تغطس في غير الألوان..
 سفينة الذكريات مازالت تبحر..  يبتسم من ذكاء قاده تلك الليلة إلى درج ثيابه.. أين لبس أغلبها رغم حرارة الخريف التي لا تغادر مدينة بشار الصحراوية إلّا مع زمهرير رياح الشتاء المزيف.. تسلل في صمت الليل كاللص و لكن إلى الخارج.. لتبدأ رحلة ما خلف باب المنزل.. منزل بلا جدران.. وحوش بشر تحوم ليلاً و حيوانات ضالة .. جوع و عطش .. و أرض صلبة تمتص جسمه الصغير فراشاً و ذراعين لم يعرفا معنى التعب قبلاً وسادة..  لا مدرسة لا أصدقاء.. و دموع  ترسم على الخد نداء باسم "أمي"..
حمل عوداً و أخذ يخط على التراب كلمة أبي ثم يشطبها.. كما فعل أياماً بعد هربه وهو جالس عند الزيتونة المجاورة لمكان الحادث.. حين شاهد والده و هو يغادر منزل صديقه .. كان يعلم أنه يبحث عنه و لكنه من وحي تمرده و لوحة رسمتها ريشته الصغيرة  قرر أن لا يرجع.. رغم الجوع و العطش و الأذى..
كانت أشهراً من التشرد مضت بين الأسواق و الطرقات و أكف الناس بين متصدق مشفق و صارخ ناهر.. بين مطاردات الشرطة و قانون الشارع الذي لا يرحم.. يذكرها الهاشمي ليلة ليلة و يسترجعها لحظة لحظة.. يبكيها و لا يعلم من رسم تلك اللوحة البائسة أهو رسمها أم والده أم المجتمع.. أم وحدها ريشة الطفولة فعلت..
يفلت ركبيتيه.. يسند ظهره إلى الحائط.. تغمره ذات الفرحة التي عاشها عندما لمح جدته و خاله قرب محطة الحافلات بين حشود الناس.. حين ركض نحوهما و هو يبكي و يناديهما.. حين حضنته و لم تتقزز من رائحته و لا من ملابسه القذرة الممزقة و لا شعره الطويل الأشهب.. كانت آخر دقائقه في تلك المدينة.. رحل معهما من فوره و لم تعرف بشار عن الهاشمي أي شيء بعدها.. كانت حدودها و رمالها الشاهد الوحيد على رحيله..
     الهاشمي يعلم يقيناً أن والده لم يدر لوجهته سبيلاً.. و يعلم أيضاً أنه زار  هذا المنزل منذ ستة عشر عاماً مرات عدّة و لكن أخواله و جدته طردوه و اتهموه بتضييعه.. كان يحلم كلّ ليلة أنه يطل عليه مبتسماً من تلك النافذة في الغرفة أين ينام و يدعوه إليه فإذا ما قام نحوها  وجد الفراغ.. و خيبة الأمل..
    خيبة الأمل... توقف عندها و صار يرددها.. ربما يريد لها نهاية و لتلك الريشة ألواناً جديدة.. مازل كماه صالحان لمسح الدموع و رجلاه ما تزالا رجلي المقاتل الذي لا يستسلم لأي  ظرف.. وقف و أطل من خلف الجدار.. اتجه نحوه بخطىً ثابتة فلم يعد ذلك الطفل أو المراهق الذي تخفيه جدته في المطبخ أو عند الجيران.. واجهه بعيون محمرة لا تروى غير الاشتياق و كثيراً من العتب.. نظرا إلى بعضهما مطولاً يلفهما صمت غارق في الحنين قطعته كلمات والده المرتعشة:" نبأني قلبي دائماً أنك هنا" ليجيبه الهاشمي: "علمت دائماً أنك لم تنسني" ليسكن الهاشمي حضن والده ما بقي من عمر ضاع أغلبه في بين الحزن و الحنين.. رغم دموع جدته.
آمال بوضياف
2010

نقطة... عودة إلى السطر..




خدعة..
   لم يكن يعلم حين انضم إليهم أنّهم لا يعرفون النقطة.. لم يعرف حينها أنّ العودة إلى السطر تعني قبلة مسدس بين الحاجبين.. أو ربّما طرف سكين مسنن يداعب بخشونة العنق المشدود الرأس كأنّه شاة.
مشهد..
   كان يقف غير بعيد يشهد نزول عدالتهم السوداء على المُرْتَد.. ترتعش فيه عضلات الوجه كسطح بحر يعلن عن دنو العاصفة.. تكاد الدماء تفجر أوردة الرقبة المتصلبة.. عيناه شاخصتان نحو ذلك الذي ألبسوه المذلّة عُنْوَة عند أقدامهم النّتنة.. تسبّه ألسنتهم التي لم تعرف غير الشّتائم و القذف و الفتاوى الباطلة.. تُحِّلُ لهم ما اشتهت غرائزهم الحيوانية الغابية.
موقف..
تَغْرَوْرِقُ عيناه في غفلة منهم.. يحتار إلى أين يريد الركض.. إلى المفر المستحيل أم إلى السكين ليحوله إلى نحورهم.. يهمس عاصراً الوجه نافياً عن نفسه الرجولة:" سامحني.. أنا السبب.." في تلك اللّحظة يعلو الصّراخ أنِ "الله أكبر.. الله أكبر.." يردد معهم يبصق على جثة الخائن المرتد عن مِلَّتهم القذرة و يلعنه.. يدرك أنّها أبشع تمثيلية يؤديها في حياته.. بإتقان الممثل المحترف..
واقع..
   على الأرض جثة شاب في العقد الثاني من العمر تغرق في دمائها.. جثة صديق الطفولة.. كان قبل دقائق ينظر نحوه بعزّة.." لست نادماً على دقِّ النقطة.. فماذا عنك؟" ينظر إليها باشمئزاز.. يرقبه أمير الوحوش وهو يقول:" نجاسة لن ندنس أرض الله بها.. دعوها للضواري تنهش لحمها هذا إنْ أمكن لها ذلك.." تتعالى الضحكات و هو معهم يواصل التمثيلية.
قرار..
   في عتمة الليل ينسل بصمت و ذكاء من المغارة.. و يمضي بين تعاريج الجبل التي يعرفها كما يعرف تقاسيم وجه الصديق.. فهو عندهم مجرد خادم من مهامه تأمين وصول المؤونة من المدن و القرى و تمريرها عبر مسالك وَعِرَة لا تطالها أنظار الأمن و لا تمشيطاتهم.. يصل المذبح البشري يرتمي على الجسد يود النحيب.. و لكن.. لا وقت.. يحمله على ظهره و يمسك الرأس بيمينه يحضنه بين الحين و الآخر.. يردد له أنّه سيدفنه في المقبرة كما يدفن أكارم الرجال.
ذكريات مرّة..
يحفر الأرض في المقبرة الخالية حتى من حارسها.. يعيد على مسامع الجثة قصة الطريق إلى الجبل:" أتذكر ماذا قال لنا الخبيث وَلْدَ الطَّلابَة قبل سنتين..!! نريد دولة إسلامية.. تحكم بأصول و مبادئ الشريعة الإسلامية و فقط.. قال الله قال الرسول.. أنا أذكر جيداً.. كان يخدعنا بفصاحة يتصنعها.. و أحاديث لا أصل لها.. و من أين كان لنا أن نعرف صِحَّة الأحاديث و الآيات من خاطئاتها.. و نحن لا نحفظ غير الفاتحة.. أجل رحبوا بنا بادئ الأمر.. ثم استعبدونا، لم تقبل الصعود للجبل حينها.. أعرف أني حفرت قبرك هذا يوْمَ أقنعتك بالجهاد.. أقصد بالإرهاب.
الوداع..
لم يكن وضع النقطة خارج حكم الموت سهلاً و العودة إلى السطر باتت مستحيلة.. يغادر المقبرة إلى منزل والديه مباشرة، لديه أمل في أن يصل قبلهم إلى هناك.. يدخل القرية مع شروق الشمس، يسمع أصواتاً تهمس الإرهابي.. الإرهابي عاد.. الملعون.. نذير الشؤم.. لكنّه لا يبالي فقط يسرع.. يدخل الحَوْش يجد أمّه الحزينة في مكانها المعتاد فيرتمي على يديها يقبّلهما و يقسم أنّه لم يمسس بشراً بأذى ثم يتجه نحو الداخل يجثو عند ركبتي والده المقعد يستسمحه و يقسم أنّه لم يقتل حتى نملة.. يريد أن يقول أنّه كان أجبن من أن يعود إلى السطر بعد الكلمة الأولى.
المصير..
يخرج راكضاً نحو الباب.. لكنه من الداخل يرى رجال الأمن قد اقتحموا باحة الدار فيعود وهم خلفه قاصداً النافذة للهرب من الجهة الخلفية.. فتستقبله الجماعة الإرهابية.. يعلو صوت الرصاص، تعم الفوضى و تحدث اشتباكات من داخل و خارج المنزل الصغير.. بعد بعض الوقت مرّ كساعات.. هو.. ملقىً يتخبط في بركة من الدماء يحاول تلفظ الشهادة.    

السبت، 27 يوليو 2013

حب بين الحقيقة و الواقع



 
المرآة لا تكذب، لن يرى فيها غير وجهه الخمسيني بخطوطه العميقة على الجبين وشعره المزين بتلك الرشات البيضاء المتناسقة.. الكثيفة عند الصدغين كثلج مكوم على قمة جبل.. لكن هيهات أن يكون الشيب كالثلج..
أمعن النظر في المرآة ث.. مرر أصابعه على تلك الانغراسات الطولية متسائلاً إن كانت لها أن تراه على غير هذه الحقيقة !! ليجيب نفسه بكل ثقة "أجل يكمن لها" واثق ليس لأن الحب عمى حقائق بل لأنه يستحق ذلك.. كمكافة نهاية الخدمة أو ربما حق الراحة بعد السير الطويل في شوارع الحياة الضيقة..
كلماتها صدى يتردد في أذنه عذبة بحروفها الأنثوية.. مندفعة بلا خبرة كسنها:" الحب لا يعرف زمناً ولا سناً" لكنه يدرك تماماً أنها جملة مطمئنة إلى حد ما من حيث القول لا من حيث القائل.
فارق المرآة ليرتدي ملابسه الشبابية التي تناسب جسمه الرياضي غير مبالٍ إن كانت كملابس ابنه استعداداً للخروج.. مدندنا لحناً من ألحان الزمن الجميل لكوكب الشرق..أي تناقض غريب هذا بين الهيئة والمضمون؟؟ لتنقطع فجأة نشوة الفرح تلك بسؤال بريء من صغيرته ذات الاثني عشر عاماً وهي تقفز حوله عن وجهته.. تبعثرت أفكاره في لحظة ارتباك نبعت من الأنا.. فاسترسل ضاحكاً... قبل أن ينقذ نفسه بكلمة صديق انفلتت بين أنفاسه الفتحة على القاف و حرف الهاء.. "موعد مع صديقـ ... ـه " حاول أن يشرح ظروف الموعد.. أن يبرره مع أنها لم تطلب ذلك، كالمذنب غير المتهم.. أكيد فالمبررات وليدة الخطأ..

غادر المنزل تحمل عيناه ابتسامة ساخرة لم يستطع إيقافها ولا إخفاءها.. إلى أن لمحها عن بعد، أخذ يقترب منها دون أن يُغفل تفصيلاً صغيراً من تفاصيل جمالها، قدها الممشوق الذي يفيض أنوثة يتمايل في ثوب أخضر فاتح كلون عينيها الواسعتان، شعرها الكستاني المنسدل على كتفيها في نعومة، يداعب و جهها الأبيض الطفولي المرصع بشامات توزعت بكل انسجام زادته سحراً.. أنفها المعتدل المنحدر بين وجنتين توردتا من لفح الشمس و شفتين مازالتا ترسمان أجمل ابتسامة يعتقد أنه رآها في الأربعة والخمسين عاماً التي مضت، تفاصيل لم تغب عنه أبداً، يراها بعين العاشق أمازيغية الجمال منحدرة من أصول أندلسية منحتها إسبانيا من ملامحها الأوربية الكثير..
وقف عندها يتأمل خضرة عينيها، تاه للحظات شعر فيها أن جنة من جنان الأرض التي لم تطلها عين بشر استقرت بهما وفتحت له أبواب الحرية والحياة مجدداً.. ليستفيق من رحلته على ندائها وضحكها.. سارا معاً إلى المطعم المعتاد تمسك ذراعه بين تحدٍ للمجتمع وبحث عن الأمان، تنظر إليه بحنو ظاهر وعطف كبير.. يسكنها الاطمئنان بقربه، يختلف كل ما فيه عن الشباب المندفع خلف ما تعتبره توافه الحياة، يعكس شيبه الخبرة التي تحميها من مفاجئات الزمن وتقلباته، مؤمنة أنّها وجدت فيه ما لم تجده في غيره، أتراه هروب من الواقع أم إغفال للحقيقة.. أتستحق لحظات السعادة النادرة أن يغيب العقل أو ينام..؟؟ ربما نعم.. و ربما لا..
دخلا المطعم واختار هو زاوية منه قليلة الحركة، لتنطلق حلقة من الحوار و الحديث عن كل شيء والخوض في كل شيء إلّا والدها، كلاهما تجنب ذلك.. تجنبه هو من حيث الحقيقة وتجنبته هي من حيث الواقع.. والدها الذي أهملها وأخويها منذ الطفولة الأولى، أبٌ على الهوية فقط، الأب الذي اختار العيش مع الزوجة الثانية أو الحبيبة الثانية غريب أن لا تشعر في هذه اللحظة وهي تجلس بجانبه أنها تشبهها.. أو حتى الزوجة الثالثة حسب آخر أخباره المتداولة.. تقول دائماً أنه لا يعنيها رغم تشاجرها مع أخيها الأكبر حين طرده منذ شهر من المنزل، غيابه شهر أمر مألوف ولكنها تخشى خلف الأنا رحيله النهائي، كانت تعاني قهراً داخلياً وهي تخفي رغبتها في الحديث عنه، رغبة في سرد ذكريات الطفولة.. في أن تعيد على مسامعه ما تعود من قصصها عن الأب الحنون، قصصاً تروي أنه لم يكن بذلك السوء رغم ما مرّ وما يمر، بصرها يجوب المكان في اضطراب ألفه.. لتثبت عيناها في جهة من المطعم، ابتسمت حينها وتغيرت ملامحها.. وجه لتقاسيمه بقايا في الذاكرة.. ملامح من أواخر المراهقة وبداية الشباب من ماضٍ قريبٍ جداً كأنه الأمس.. استيقظت الغوافي من الذكريات من زمن الطيش واللامسؤولية وغاب سمعها وبصرها تماماً عن حبيبها الخمسيني..
تأمل وجهها النضر، لمح إشراقة لم يعرفها قبلاً وابتسامة لم ترسم له أبداً.. لمعاناً فريداً في تلك الخضرة كقطرات المطر على أوراق الأشجار تحت نور شمس أطلت من بين السحاب.. التفت فضولاً، خلفه بطاولتين شاب.. كل طاولة بينهما عقد من العمر والمسافات بينها بضع سنوات.. يلوح لها بيده.. اتجهت نحوه تحدثا مطولاً.. حين كان هو في ترقبه يفكر في من يكون والأهم فيما تقوله عنه.. كيف ستعرفه.. أو ربما لن تذكره.. إحساس كان دائماً يخشاه يسكنه اللحظة.. أتراه ورقة خريف لم يتشربها التراب مازالت تتطاير بين أزهار الربيع.. يصارعه إحساس آخر بالرفض وحقه في سحبها من أمامه وإبعادها عنه.. شعور يتضارب بين ما هو كائن و ما يجب أن يكون.. أيّهما أحق بوجوده في حياتها الحب أم الشباب.. الحقيقة أم الواقع..
عادت إليه تفيض حركاتها اضطراباً وفرحاً، نظرت إلى وجهه تداخل في نفسها شعور بالأمان ووخزة خيانة لا تجد لها مبرراً، مازلت تبتسم كلماتها غير منسجمة تقول أنه صديق قديم من أيام الثانوية ثم تردد أنه لم يتغير.. تستدرك أنها لم تعرفه به، وجدت حرجاً في الحديث عنه مع أنها طالما تحدثت عن أصدقائها، كان صامتاً يرقب حركاتها.. معرفته بها تؤكد أن أمراً طرأ..
هي لا تجد تفسيراً لارتباكها تحاول إنقاذ الموقف.. تتساءل لماذا تعتبره موقف، نظرت إلى الساعة أمسكت يده مستأذنة المغادرة لأنها وعدت والدتها العودة باكراً.. لم يمانع و لا حتى سأل.. كان فقط يبتسم ابتسامة هادئة صوته منخفض ثابت النبرات..
غادرت تحمل في قلبها مئات الأسئلة والمشاعر المتناقضة واثقة من إدراكه أنها تكذب.. بقي هو في مكانه محافظاً على الابتسامة لا يحمل أسئلة بل أجوبتها يُتم بناء جدار الواقع و يبارك مولد الحقيقة الجديدة.. أين تغيب المسلمات أو ربما تتغير
..

سرّ الابتسامة..



 ممدد على سريره شارد ٌ ما زالت الابتسامة تشغل فكره مذ عرفها، يبحث لها عن مبررات و يتحسس غطاء سرها علّه يتمكن من إزاحته ... أي قدرة تملك لترسم تلك الابتسامة بكل صدق في وجه الموت الذي يتربص بها كحيوان مفترس قد ينقض في أي لحظة .
انتفض من شروده.. اعتدل كمن استدرك أمرا، اتصل بها دون أن يلقى جوابا، ليلة صيفية مقمرة تبعث نجومها خيوط الأمل والتفاؤل.. لابد أنها نائمة، حالتها المتدهورة تفرض النوم لا الموت.. كانت تلك طريقته في مواجهة مرضها.. أم تراها طبيعة الإنسان طغت، يعشق الحياة حد تجاهل الموت كأن الخلود حقيقة. 
صباح جديد.. يرن الهاتف في الفراغ مجددا، رغم إشراقة الشمس إنتابه شعور غريب، حدقت عيناه في وجهه على المرآة.. لسان حاله يردد "يكفيك تشاؤما" قلبه الذي لم يصْدُق له حدساً أبدا خفق على غير العادة، رفض رغم نور الشمس الركون والهدوء، خاوي الجوف مضطرب الفكر غادر المنزل ، بدا سائق سيارة الأجرة كمبتدئ يخشى الإسراع، ليصبح عمال المشفى شرذمة أشرار لأن موعد الزيارة لم يحن بعد فقط الخوف سيد الموقف رغم إنكاره له...
في حقل الانتظار الملغوم بالمجهول المزروع بأشواك القلق والتساؤلات اللامتناهية، ناداه صوت.. ما إن سمعه تهللت نفسه وأشرقت أسارير وجهه.. التفت بكل لهفة كلّه أمل.. كانت ممرضتها.. مكّنته من الدخول فقط وانصرفت عنه دون أن تطيل الكلام ولا حتى فتحت ثغرة لمرور أي سؤال..
الرواق المؤدي إلى غرفتها خالٍ من أي حركة يسكنه هدوء مريب، النور المنبعث عن النافذة في آخره يرسم له ابتسامتها. كل الأبواب عليها أرقام لم ينتبه لها قبلاً.. أكُلُها تحوي خلفها ابتسامة؟ لا يعتقد ذلك !!
الباب 83.. طرقه مرة و ثانية ... وثالثة لا مجيب، فتحه.. أرسل بصره عبر شقه الذي يتسع مع دفعه نحو الداخل، السرير فارغ بدون ملآت النافذة مفتوحة مسدلة الستائر يداعبها الهواء، الأجهزة مطفأة والغريب لا بيانات لأي مريض.. "أين ذهبت.. !! بل أين ذهبوا بها.." صار لدقات قلبه صوت يسمع.. ارتعش كلّه.. لحقته الممرضة أعطته كيساً أسود حدق بها لا يريد أن يسأل.. لكنّها وفرت ذلك واختصرت رحلة احتضارها بنوبة حادة لم يحتملها جسمها الواهن مساء الأمس.
رحلت صاحبة الابتسامة ودفنت سرّها معها.. أهو مهم؟؟ أصبح جسمه عبئاً ثقيلاً بالكاد يحمله، خطا نحو السرير.. تحسس سطحه براحته محاولا استشعار تلك الابتسامة الفريدة تساقطت العبرات..فلا فائدة من الأمل أمام حتمية الموت.. اعترته أخيراً الشجاعة ليسألها –بعد رحيلها- عن سرّها عن سبب فرحها الدائم.. إن كانت سعيدة بيوم فجيعته.. نظر إلى النافذة التي حظيت دائماً بالتفاتة منها بابتسامة دافئة.. علّها تحمل الإجابة على إطارها أو زجاجها.. هو يأسه يفكر ويشعر... 
غاب عمّا حوله.. أبحر في ثواني الزمن واللا معنى يتجرع مرارة الغياب الأبدي.. لا فرق فكل حيّ يموت.. لا فرق إذاً .. لا داعي للحزن والأسى.. لكن الأمل الذي كان داخله لم يتوقع يوم الرحيل بلا عودة، قلبه يرفض الغياب رفضاً مطلقاً.

الكيس الأسود.. حوى المذكرة والمصحف الشريف.. المذكرة التي أثارت فضوله باستمرار وتساءل مراراً إن كان اسمه قد ورد فيها.. إن كان سرّ الابتسامة مدون على صفحاتها.. المصحف الشريف الذي أهداها إياه في أول لقاء.. لقاء مقدر تماماً كهذا الرحيل.. قبل خمسة أشهر في زيارة قام بها مع تلك الجمعية التابعة لمنظمة الهلال الأحمر لمرضى السرطان...
كان أول من دخل الغرفة و آخر من غادرها منذ أول لقاء شدته الابتسامة الخالية من أي حسرة أو يأس.. ابتسامة لم يرها في أي غرفة أخرى.. تساءل حينها لأول مرة كيف للمرء أن يبتسم في وجه الموت.. وهي نفسها التي أرجعته لهذه الغرفة وربطته بها وأحيت في نفسه الأمل ضد المرض الخبيث..
لم تعد المذكرة تعنيه ولا حتى السرّ .. أعلن الحداد لنفسه مغلقاً أبواب الحياة ملغياً أسبابها معتزلاً الأسرة والأصدقاء والعمل...بعد ليالٍ مرت في الرفض ورحلة طويلة من السير ببطئ نحو تقبل الواقع.. قرر فتح المذكرة وقراءتها..
كانت كل صفحاتها متشابة تحوي نفس العبارات:

"الحمد لله الذي رزقني يوماً آخر قضيته بين أهلي وأحبابي..
الحمد لله أني أدركت شمس يوم جديد بأمل جديد..
الحمد لله الذي أمدّ عمري يوماً آخر رغم مرضي الخبيث..
أستغفرك ربي و أتوب إليك..
ربي لا أسألك رد القضاء لكني أسألك اللطف فيه.."

ثم تتابعت الصفحات فارغة حتى الأخيرة دونت عليها: "احفظ الذكرى.. لكن لا تعش عليها.. و ابتسم للآتي..."
آمال بوضياف
2010