الاثنين، 24 فبراير 2014

العقدة




"أخذت العقدة بين أصابعي ثم شددت طرفيها بقوة، فُكَّت العقدة ولكنّ الخيط انقطع فلم أدر أفرجت أم ضاعت.. ربّي قال المال والبنون زينة الحياة  الدنيا أمّا أنا.. فالباقيات الصالحات في حياتي كلّها لم تشفع لأن لا تكون بدل الزينة فتنة" هكذا قال جد أبي وهكذا حكى لي جدّي.
وعبر الأزل كانت الفتنة امرأة "الخير امرا والشر امرا" صهباء زرقاء العينين تلمعان كأفعى رغماً عن وجهها المكسو زغب أصفر وبراءة، جمال أوربي لم يزعزعه شعرها الأشقر المجعد، خلبت به لب الأربعة أولاد سيدي امحمد السايح، بنت الخماس الذي قضى عمره في خدمة الاسباني "باتيس" كانت تخرج للبساتين تساعد والدها بلا اهتمام تقفز كغزال بين أشجار البرتقال، يطالها النظر المغضوض لأولاد سيدي السايح ذهاباً وإياباً من الأكبر الذي يدير زرق العائلة البسيط للأصغر الذي يحيى في ذلك الرزق، قالت جدة أبي أنّها بنت خماس لا تصلح عروساً حتّى للثلاثة المتزوجين من أبنائها إذ "باتيس" نفسه زاهد فيها، ولكن سيدي السايح قال "يتزوجها الأصغر محمد حتى لو راح الرزق وخلات الدار حتى من القط والفار"

ليلة دخلتها كسر عم أبي الأكبر كل أثاث غرفته ورماه علنا في الحوش مصعداً احتجاجه معلناً ولهه، قال أنه أرادها لنفسه وطلبها علناً بل توسل ذلك من سيدي السايح، وسكت أخويه الثاني والثالث لأنّهما طلباها سراً وعشقاها بصمت، وحده جدي محمد من نام مرتاح البال مطمئن فـ "البهصة" بين يديه.

في صباحها خرجت الصهباء تختال في حوش الدار بفخر ملفوف بخجل مصطنع توزع الابتسامات بين الغرف، ترمقها أعين نساء البيت بحقد وتوعُّد، وكان سيدي امحمد جالساً على كرسيه العتيق في الغرفة الكبيرة غارقاً في صمت مهيب مثبتاً عصاه على الأرض بقوة، عيناه لا تبرحان الباب أين تقف كنته صامتة تهز صغيرها المنهار من البكاء متوارية عن نظره في حضرة زوجها الذي تراقبه يندب ضياع الصهباء من يديه وتوعُّدِه بتبديد الزرق، على جانب الكرسي كان يجلس ابنه الثاني متجهم الوجه أسمر أكثر ممّا يجب يردد بصوت خافت متحسر: "آ البهصة.. منّيت روحي بيك" وبالقرب كان المكان فارغاً للابن الثالث الذي قال: "ما نعيش في دار فيها البهصة مَرْةْ راجل آخر حتى ولو خويا" التحق بهم جدّي محمد مندهشاً متذمّراً: "مرا كِالنْسا آبويا.. علاه عليّا ذا الضبيح*"

قال جدي أن والده  سيدي السايح أجابه يومها بأنه لا يعلم أفرجت أم ضاعت ولم يقم من كرسيه ذاك إلّا لقبره.

بغير ندم حكى جدّي أن أخاه الأكبر حج في ذلك العام وتوفي في البقاع المقدسة لأنه دعا الله أن يأخذه ويرحمه من رؤية الصهباء حبلى، أمّا أخويْه فالأول صام عنه ولم يكلمه سوى في الأعياد وعاشوراء، والثاني قاطعه وظل "معاديه" إلى يومه ذاك.

توفي الجميع والصهباء جدّتي بقيت حية بجهلها لم تع أبداً ما انفرط من عقد اولاد سيدي امحمد السايح بسببها، تحب أبناءها الأربعة وتجمعهم كما لم تفعل أذكى بنات جيلها من الأمهات، تضحك بسذاجة وتعبر بتلقائية وتشتم من الأعماق وبعفوية حين نفاجئها من خلف حائط أو ستار دون أن نندهش ممّا هو عيب ولا مما هو قبيح، مأخوذين بالبحر الّذي مازال يتلاطم في عينيها، حين نسألها عما حلّ بسيدي السايح وأولاده تجيب ببساطة ولا مبالات: " وما أدراني.. قالوا هو عقدها وما عرفش يحلها"

الأربعاء، 21 أغسطس 2013

وللفتحة.. أسرار



كان يرفع إصبعه بشكل هادئ عكس ما تعود، يدنيه تارة من أنفه وأخرى يعليه فوق جبينه.. في حالة أشبه بتوسل الآنسة أن تختاره دون رفاقه كمن يخفي رجاءً ملحاً.. اختارته الآنسة وقد انتابها الفضول من حالته المريبة، تنحى عن مقعده وهو يثني كراسته بين يديه الصغيرتين في شكل مقوّس يخفي خلف طرفها شفتيه وذقنه، كان ينظر إليها بثبات تتخلله حركاته الطفولية العفوية، وقف على المصطبة أمعن في سطره المخربش قالت الآنسة:
 "نعم عبد الغني تفضل"
رد بثقة وهو يمعن في جملته:
"دقيقة.. سأقرأ"
علا صوته شيئاً فشيء بجملة قصيرة "دخلتْ القِطّةَ غُرْفَتي" صححت الآنسة بشكل آلي "القِطَّةُ"  فكرر الجملة مرة أخرى بنفس التشكيل.. قالت له:
 "بالضمة عبد الغني"
 رفع بصره عن الكراسة.. نظر إليها صحح الجملة وعاد لمكانه.. عندما دق جرس الخروج وقف عندها صامتاً.. ظلت تنتظر مراده حتى قال:
 "لكني أريدها فتحة"
 استغربت منه انحنت له.. وقالت: "حسنا قل أدخلت القطةَ غرفتي"
بدا على وجهه حزن غريب وقال: "لكنها دخلت لوحدها.. لم أدخلها"
صمتت لبعض الوقت.. همست له: "إن دخلت لوحدها وأعطيتها الفتحة ستغضب"
اندهش.. دنى منها همس بالمثل: "لماذ؟؟ فالفتحة أفضل"
 قالت الآنسة: "لأن كل من يفعل بنفسه كل أموره.. تهدى له ضمة"
تراجع قليلا ارتسمت على وجهه ملامح الاستياء.. قال: "لكن.. " ثم عدل عن الكلام.. سألته الآنسة مظهرة له اهتماما كبيراً: "ولكن لماذا الفتحة أفضل؟"
 اقترب منها أخذ رأسها بين كفيه.. ثبّت شفتيه عند أذنها وهمس:
 "لأنها كلما جاءت ومعها فتحة فتحت أمي النافذة لتخرجها" ونظر في عيني الآنسة وضوء الفرح يشع من عينيه.. ثم أتم "وكلما فتحت أمي النافذة أخرجت رأسي منها وشاهدت الدراجة النارية في الشرفة المقابلة التي يملكها هشام.. أتعرفين هشام؟؟" قالت "لا لا أعرفه" أتم مستغرباً "هشام جارنا" ضحكت وأكدت أنها لا تعرفه.. فقال: "المهم.. هو وعدني أن يأخذني في جولة ولكن أبي وأمي رفضا"

الاثنين، 12 أغسطس 2013

أغرب مما كنت أعتقد..


لمحتك بطولك الفارع بصحبة بعض من طلابك.. كنت أنظر إليك من خلف نظارة سوداء.. لم تعرني اهتماما ولكني.. عزمت أن لا أفلتك هذه "الصدفة"
تركت عمداً وشاحي على ذلك المقعد.. كنت أكيدة أن قلبك القوي سيتعثر به ويقع رغم صلابة نبضه، حملتَه.. ناديتني مرة وثانية وثالثة فالتفتُ "الثالثة ثابتة" هكذا يقال.. كنت تبتسم بل كنت غارقاً في الوسامة بسمرتك الوهرانية وروحك المتشبعة بنسيم البحر ومواعض سيدي الهواري والمتأهبة كالأسدين معاً لكل طارئ.. نظرت إليك ولم آبه للوشاح فلونه لم يكن يعجبني ولكني فكرت أنه ولابد كان يعجبك كرجل.. همست وأنا أراقب اقترابك متأملة تضاريس جبال الشريعة التي سكنت محياك منذ سرقتك البليدة من وهران الباهية وجعلتك تغير ضريح صلواتك إلى سيدي الكبير الذي رغم هجرانه مازال له ذاك السحر في الاحتفاظ بالزوار وأسرهم.. "تبا لك البليدة لما احتفظت به؟؟ ألتغويني فقط أغيرت ورودك بتعاويذ الحب؟"
قلت لي حينها: "لا تكوني مهملة" لم أتمالك عن الضحك وأنا أجيبك "بل مهملة جداً" أتممتها في سري "مهملة حد المجيء بك إلى هنا"
شددتَ الوشاح لحظات ثم أفلته سألتني إن كنا التقينا من قبل أو كنا نعرف بعضنا، نزعت نظارتي السوداء ثبت عينيَّ الزرقاوين بسواد عينيك لحتى جعلته لجة هائجة ثم.. أجبتك على مهل كأني أتذكر: "ربما في المعهد.. أأنت معيد هناك" كنت أكيدة أنك أستاذ محاضر ولكني أردت مخاطبة كبريائك الرجولي كي يطغى على طيبتك.. أجبتني "أنا أستاذ محاضر.. أتدرسين هنا" كم أحب ادعاء السذاجة منذ لحظات فقط كان احتمال أننا التقينا قبلا قائماً.. أجبتك أني هنا أنتظر صديقة وعدَتْني أن توفر لي كتاباً ولكنها لم تحضر.. "صدفة" كنت تملكه فوضعنا يومها موعدنا الأول...
أغرب ما حدث في قصتي معك.. أنّ موضوع رسالة الدكتوراء التي كنت تحضرها كان حول الكاتب الّذي ادّعيتُ أنّي أريد كتابه، وأنّك لم تكن مجرّد استاذ محاضر بل كنت رئيس الكليّة نفسه الّذي كان يكلّم دائماً استاذي المشرف على رسالة الماجستير التي كنت أحضرها ويزوره في مكتبه الخاص دون أن نراه.. أنّك لم تحب قطّ لون ذلك الوشاح ولكنّك يومها تمنيت أن أكون مهملة لأنها كانت الطريقة الوحيدة لتكلمني بعيداً عن صديقك.. أنّك تعمدت شدَّ الوشاح لتجبرني على خلع النظارة.. أنّي كنت أجلس على المقعد الذي تعودت الاستراحة عنده بين المحاضرة والأخرى..أغرب ما حدث أننا كنا نعرف بعضنا من حيث لا يعرف أحدنا ذلك..

آمال بوضياف

الثلاثاء، 30 يوليو 2013

صـخـب

كان قبرها صامتاً عكس ما توقّع.. بقربه بضع حجارة تنبئ عن قبر جديد أو.. هذا ما يقولونه في مدينته.. تساءل بهمس: "لمن القبر التالي يا ترى؟ من ستأخذين بعدك؟ " قرأ الفاتحة وهو مؤمن أنّ روحها تستحق القرآن كله.. فموتها لم يكن عادلاً لأمّ أمضت عشرية من الدّم تهرب بأبنائها من الموت من مكان لآخر.. كان قدرها أن تسكن القصدير وأن تعمل منظفة لوساخة بشر لا تزول ولا ترحم.. كانت كرامتها فوق ذل المسألة وأخلاقها أعلى من أي نذالة..
ماتت مرتان.. هكذا يعتقد، الأولى حين أقسمت امرأة وزوجها أنهما شاهدا ابنتها في مدينة أخرى بلباس خليع، انهارت.. لطمت وجهها.. صاحت: " عام يا ربي عام.. عام ما نسمع ولا شيء وكي نسمع لازم نموت يا ربي.. لازم نموت يا ربي علاش.. علاش يا ربي علاش"
لم يكن وصول تلك المدينة صعبا لامرأة تعودت أن تكون رجل.. لكنها قصدته ليلتها كان وجهها مسودّاً كقطعة الفحم التي تداركها الرماد قالت أنها لا تملك المال.. قالت أنها لن تبرأ من العثة التي تربت دالخها حتى ترى كيف تحول ما بقي من سنين عمرها إلى عهر..
لجأت إليه لأنه الغريب الذي ساندها وبقي إلى جانبها منذ مقتل ابنها الشاب في ذلك الانفجار بالسوق.. الغريب الذي لم يخذلها أبدا رغم أن الزمن كان زمن الخذلان والموت..
استقلا سيارة أجرى نحو المدينة الاخرى.. لم تنطق بأي كلمة طول الطريق ولكنها لم تكن شاردة كانت جسد بلا روح تقبع بجانبه كتمثال ينتظر لحظة تهاويه.. هناك أين نسائم البحر تعبّق الارجاء أين الجو مخنوق بعفوتنه.. تتبعا الوصف وبسؤال بسيط أشارت كل الأصابع أن "إلى هناك.." وصلا عمارة عتيقة درجها ضيق تتبعا أول رواق صادفاه.. كانت هناك.. تصرخ بشخص ما كانت سافرة بل كانت حامل.. 
لم تتفوه الأم بكلمة اكتمل سواد وجهها حتى غابت ملامحها.. اتجهت نحوها.. توقع أي أمر إلّا أن تخنقها.. كان الأغرب أن ابنتها لم تقاوم بل استسلمت تماما.. أسرع نحوهما حاول جاهدا فك قبضتها ولكن دون جدوى.. 
أخذ رأسه بين بيده لم يعرف ماذا يفعل.. يتصل بالإسعاف أم بالشرطة.. طلب منها أن تهرب.. كانت جاثمة بقربها بصرها لصيق بالأرض قالت بصوت هادئ: "هربتُ بما يكفي، أخذ الإرهاب زوجي وابني ومع أني صوت بلا للمصالحة في تلك السنة إلّا أنها تمت، ربيتها كما آمنت بالتربية انظر إليها.. وأرسلتها لتتعلم وتخرج نفسها من الفقر.. ماتت أنظر إليها.. بل أنظر إليّ" 
عاد إلى مدينته وقد تضاعف حزنه القديم، لكنه لم يعد بها.. توفيت ليلتها في السجن.. ماتت للمرة الثانية.. توقع أن يكون قبرها صاخباً لأنه يؤمن أن الفاجعة التي لا تشفى يبقى صراخها عالياً حتى عندما يدفن صاحبها.   

آمال بوضياف

الأحد، 28 يوليو 2013

البرانــي

على كرسي حجري في حديقة عامة، بثيابه القذرة وشعره الأشعث ممدد بكل رفاهية متكئ على مرفقه، بكل عنجهية ينفخ دخان سيجارة ويصرخ "أنا الملك" تمر غير بعيد عنه نساء فتخشاه وتخشى نوباته، يمر قربه كهول فيحوقلون، ويمر بمحاذاته شباب فيبتسمون بين السخرية والإعجاب أن قحاً هو الملك، فلا سلطان عليه.
ذاك هو عمّي الزبير شيخ مشرد، مجنون تارة وعاقل أخرى، عرفه الجميع كما تعلّموا أن يرهبوه، في أقصى حالات جنونه يشتم ويعربد ويكسر كل ما في طريقه، في أقصى حالات هدوئه يكون ورعاً حكيماً يقول أن الدنيا غدارة ويقول أيضاً: "أنا زمان كنت.." ولا أحد يعرف قصته ولا ما كان لأنه لم يكمل الجملة إطلاقاً.
كانت تسير ببطء خطواتها وئيدة لكأنها تخشى السقوط، محنية لا ترفع رأسها عن الأرض إلّا نادراً ليس حياءً بل حتى لا تغفل عيناها عن مواضع رجليها، تتمتم: " يا حسراه زمان كي كنت.." لكن الجميع يعرف ما كانت خالتي جوهر سيدة القوة وصاحبة القد الممشوق والخطوات الثابتة، قيل أنها أول من التحق بجبهة التحرير في حيّها، وقيل أيضاً أنها كانت صاحبة هيبة ومازالت رغم الكبر، أصيبت أثناء حرب التحرير ونقلت إلى تونس وزوجها مفقود منذ أن اعتقل في إحدى المداهمات، كما أنّها فقدت ابنها الوحيد في العشرية السوداء وذاك فقط ما أحناها بهذا الشكل.
كانت تسير وتسمع صراخاً فظاً وكلاماً قبيحاً في ناحية من نواحي الحديقة، كعادتها القديمة لا تخشى شيئاً اتجهت حيث الضجيج وحيث الناس تفر وتتجنب المرور، كان عمّي الزبير يعربد ويزبد ويشتم ويردد "أنا الملك" لكنّه توقف فجأة وسكن، أخذ ينزل عن المقعد ببطء وعيناه لا ترتفعان عنها، مشدوه إليها وقد ذهب عنه كل ارتعاشه، همس مرات عدة ثم صرخ: "أعدت؟ أعدت؟ أيعود الأموات؟ " عرفها رغم وجهها المجعد الذي زادته المحن والحزن سمرة
كانت خالتي الجوهر قد رفعت رأسها عن الأرض وتجمدت مكانها، اغرورقت عيناها.. تغيرت ملامحها همست أنه الزبير نادته مرات عدة بصوت مختنق، كان عسيراً عليه أن يسمعها وعسيراً عليها أن ترفع صوتها، عرفته رغم بياض شعره وتشعثه رغم وجهه المخفي خلف لحيته القذرة الطويلة.
أخذ يقترب منها وقد عاد إليه ارتعاشه، كانت تعلم أنه غاضب فهي تعرف كل حركاته، حملق في وجهها سألها باستغراب : "متى عدت يا الجوهر" ردت " لم أرحل أصلاً يا الزبير" شد رأسه بكلتا يديه أغمض عينيه، قال: " أين كنت إذاً؟ " ردت: " في تونس" صمت برهة ثم بدأ يبكي كطفل صغير ويردد " لقد قتلوا أخي يالجوهر عذبوه وقتلوه، وحين هربت من الكهف لم أجد الوطن" أخذت تبكي بصمت، سكت عن نحيبه سألها وقد نظر إلى بطنها " أين ابني؟ " وقفت استقامت بجهد وقالت" مات، مات رجلاً"
تركته منكمشاً في كرسيه يردد " أنا البرانّي أنا المقطوع" كانت تبكي وتهمس" لم يقتله العدو جنيناً ولا رضيعاً ولا طفلاً لكن قتله الوطن رجلاً" سألها شاب إن كانت تعرف ذاك المجنون ومن هو فقالت بحزن " إنّه مجاهد" نظرت إليه وأتمت"بل بقايا مجاهد"


آمـــال بوضـياف

ما لا يغفره وطني (3)



هذا أنا..

هو المطر ذاك المساء نشر عبر رذاذه الشر وحطم النفوس حين تشاجرا بعنف أكبر بسبب القطرات المتسربة من السقف إلى الجروح التي في قلوبهم جميعاً، كانت سميرة تصرخ بكريم: "أطلق، لا تكن جباناً هو يكرهنا، هيّا أطلق، أطلق أطلق... أقتله أو سيقتلك.. أطلق" وكانت هي نوال تصرخ "ضعها يا كريم أبعد البندقية عنه ضعها ضعها" لكن حين استعادت نوال صوت الطلقة انتبهت إلى أحمد الجالس إلى جانبها يحدثها دون أن تلتقط كلمة واحدة، سألته بلا مقدمات " ما أكبر ما تكره في الحياة؟ " أجاب ببساطة "الكذب" صمتت لبرهة دققت النظر في عينيه همست بسخط "كلكم تكرهون الكذب" سألته ببرود: "أي نوع من الكذب؟ " رفع حاجب دون الآخر: " ليس هناك أنواع للكذب هو كذب واحد وفقط" تململت ثم واصلت بانفعال :" لا أقصد الأبيض والأسود وباقي الألوان... بل ... إخفاء حقيقة مثلاً أو الصمت عنها" لم يسهب ولم يستفسر قال باقتناع تام: " كلها تندرج تحت مسمى الكذب... لما السؤال؟"
رددت بهمس " لما السؤال..؟" كان أخوها كريم يمسك بندقية الصيد تلك في وجه أبيهما كانت بندقية للدفاع الذاتي ضد الإرهاب، أكان أبوها إرهابياً بطريقة ما؟ تساءلت بحزن، لم يكن والدها يحمل سوى عصاه المعتادة لم يكن ينوي قتل أحد عكس ما قالوه في المحكمة عن السكين الكبير، ربما كان فعلاً إرهابياً، فقد جعلها تتسوّل هي وإخوتها، جعلهم يقطعون مسافات طويلة سيراً على الأقدام حتّى لا يدفع ثمن التذكرة، هي تعرف العاصمة وشوارعها كسكانها، كان يضربهم بعنف إن رفضوا الخضوع لأوامره، حرمها فرحة الطفولة و طيش المراهقة وتتساءل إن كان في قبره سيحرمها الشباب وأحلامه، ترمش بضع مرات لتستعيد وجه أحمد المندهش من شرودها المفاجئ العميق، تبتسم بل تضحك تسأله "أننصرف؟ " يرفض ويطلب تفسيراً عن غرابتها هذا الصباح، تشرد مرة أخرى في سؤال لم يكن منتظر مساء الأمس: "متى تخبرينه الحقيقة؟ لا تترك الأمور عالقة، دعيه يختار" تفاجئه مرة أخرى بسؤال لا يمت للموقف بصلة: "أتحبني؟ لم تخبرني أبداً أنك تحبني.. " يبتسم يجمع يديه يقول: " أننصرف؟ " لم تبتسم ولم تنبس ببنت شفه، سارت معه بصمت تحدث نفسها " أكيد سيختار الرحيل... لابد أن يختار الرّحيل ولما قد يتزوج ممن قتل أبوها المتسول على يد ولده الذي يحيى كأنه لم يفعل شيئا، ولما قد يجعل لأبنائه خالة عاهرة..."
عادت إلى المنزل، دخلت الباحة الخلفية حيث بقايا المنزل القديم، هناك سقط صريعاً وبالقرب كان كريم يرتجف يبكي ممسكاً بالسلاح هناك كان الجميع رهين لصمت الدهشة والفاجعة معاً واحد ميت والآخر مصيره السجن والأكيد العار الذي سيلاحقهم مدى الحياة، لماذا نزل المطر يومها لماذا تسرب عبر الشقوق لتغضب الوالدة على الوضع المزري، على سنين العذاب، صرخت وناحت على الفقر على النقود التي يركنها في صندوقه على عري وجوع أبنائها الثلاث، على البرد والحر صرخت على كل ما نغص عمرها لتدفعه كالعادة لحمل العصا وتدفع كريم للدفاع عنها، تهمس "كان يافعاً كان في الثامن عشر " كانت سميرة تحثه وتحرضه على ضغط الزناد، سميرة المتنمرة التي لم يعد لأحد سلطان عليها بعد رحيل والدها، سميرة التي باتت مجلبة لعار أقبح، أطلق كريم صامت أمّها للأبد عن الابتسام، حكم على كريم بالسجن مع وقف التنفيذ بعد شهادة الجميع حقاً وباطلاً ضد الذي ووري التراب وقد طبع على أرواحهم وأجسادهم ثقوباً عميقةً لا تزول.
لا يعرف أحمد عن ماضيها شيئاً تقول "لا صلة لي بما فعله أهلي" لكنّ الصديقة تقول " لا انفصال لك عن أهلك رغم كونك لا تشبهينهم" تقول وكم تكره نوال ما تقوله "أخبريه بنفسك قبل أن يخبره غيرك، دعيه يختار مادام مركبكم على البر " غادرت الباحة نحو المنزل الكبير الذي عمّروه بأموال قضى والدها سنيناً يجمعها بكل الطرق، قالت بصوت ثابت لوالدتها: "سأخبره قررت وانتهى" لحقتها والدتها ونادتها لكن عبثاً، كانت تسير بثبات كلمته عبر الهاتف.. ضربت موعداً، جاء وقد فتك به القلق كان كل ظنه أن مكروهاً حلّ بها أو بأهلها، جلس إلى جانبها يمطرها بوابل من الأسئلة، طلبت منه أن يسمعها دون أن يقاطعها أن لا يقول شيئاً فقط ينصت.. يفكر.. ثم يطلعها بقراره، قصت نوال ماضيها منذ النعومة إلى لحظتها تلك دون أن تخفي تفصيلاً، لم يكن البتة ماضياً مشرفاً ولكنها لم تصنعه بل صنعت فقط نفسها حتّى باتت ما هي عليه اليوم الدكتورة نوال، حين أنهت صمتت لبرهة ثمّ قالت"هذا أنا.. لم يغفر لي وطني ذلك الماضي إلّا حين أخفيته.. أتغفره أنت وقد ظهر؟ " ثمّ انصرفت تاركةً خلفها بحراً من الدهشة والصمت وحتّى الاشمئزاز وكثير من الحزن والحب.


آمال بوضياف    

ما لا يغفره وطني (2)



حضرة أب

تنظر إليه عبر ثقوب السياج، تنغلق عيناها من ابتسامتها الصامتة، تنقبض روحه وتخنقه الحسرة يحدث نفسه: "صغيرتي المسكينة كبرت قبل الأوان" يضع أصابعه عبر تلك الثقوب يبحث عن ممر لبصره حتى يجمع كل تفاصيل وجهيهما، يتشجع.. يسأل باختناق وليد الشوق الخجل والحسرة : " وفاء عمر كيف حالكما ولديّ؟ " تتسع ابتسامة وفاء وينقبض وجه عمر تجيب بفرح مضطرب بين فرحة رؤيته وحزن غيابه الدائم: "بخير أبي المهم كيف حالك أنت، أخبرنا المحامي أنّ جلسة الاستئناف بعد خمسة عشر يوماً" يبتسم نصف ابتسامة بجهد يقول إن شاء الله علناً ويلعن المحامي سراً، يحتفظ عمر بصمته وحزنه معاً كأنّه يخشى البكاء في غمرة اللّقاء تلك وسلطة الحديد الفاصل بينهم، يكسر الأب صمت ابنه يسأله: " عمر بنيْ لما الصمت، أعلم أنّ الوضع صعب عليك أنت بالذات، تحملت العبء باكراً وفاة والدتكم أولاً... ثم دخولي السجن.." يصمت لبرهة " كن قوياً صغيري أرجوك.. لأجل أختيك" ترن كلمة صغيري في قلب عمر تجتمع في عينيه دموع ثلاث سنوات لغياب أمّه وعام لغياب والده وتمسك وفاء وسلمى الصغيرة بذراعيه، يمسح تلك السنين بسبابته وإبهامه في خفة يقول: "لا تهتم أبي... كن واثقاً أنّي معهما كأنك موجود"
يعود إلى الزنزانة كما بعد كل زيارة يتذكر الكيس الأسود الذي كان بين أكياس الاسمنت البنية، يلعن اللحظة التي لم يتفقد محتواه، يردد بهمس وسخطٍ معاً: "تباً، لقد كان أسود... أسود، كان ظاهراً ينادي الناظر، لكنّي كنت أعمى البصيرة... خطأٌ لا يغتفر... لا يغتفر"
كان صباح يومٍ مشمس حين اقتحم الأمن مكان البناء، أمسكه عنصرين بقوة بينما أخذ الباقي في تفتيش كل شبرٍ، كان يتساءل باستغراب عمّا يحصل، لم يخطر بباله الكيس الأسود ولا أي شيءٍ آخر، لم يسأله أحد أيّ كلمة فقط سيق بحنق وكراهية إلى مكتب التحقيق:
"ماذا كنت تفعل هناك؟ " يندهش، يجيب: "أنا أعمل هناك.. أنا البناء" يبتسم المحقق بسخرية يقول: " البناء، أتعرف لما اعتقلت؟ " يرد بحيرة أكبر: "لا أبداً فأنا إنسان مسالم ليس لي أيّ مشاكل مع أيّ شخص" يقترب المحقق منه يقول بصوت ثابت: " لا داعي للتمثيل، اعتقلنا العطار واعترف بكل شيء هو من أخبرنا بمكان البضاعة واعترف بأنك شريكه" ينظر إلى المحقق يسترجع أسماء آخر من تعامل معهم، يسأل: "من هو العطار؟ " يجيب المحقق على غير عادته: "عبد الكريم بن قرمي" يثبت بصره ببصر المحقق يفكر بصمت: "عبد الكريم جاري وصديقي.. عبد الكريم لا يمكن.. مستحيل.." يصرخ به المحقق يخرجه من شروده " ألا تخجل ألم تفكر يوماً أن تلك المخدرات قد تصل أبناءك يوماً؟" يحتفظ بصمته مدهوشاً، يهمس يرفع صوته المبحوح شيئاً فشيئاً " مخدرات.. لكنّي لا أعرف أي مخدرات ولا علاقة لي بنشاط عبد الكريم" يشمئز المحقق من إنكاره: " كلكم تقولون هذا.. لكنكم تدفعون أبناءنا إلى الجحيم" يقترب منه يحاذي أنفُه أنفَه يواصل "لا القانون ولا أنا ولا الوطن سيرحمك يا حضرة الأب"
"حضرة الأب" جرحت أبوّته وخنقت تلك الطيبة في قلبه وأبكته حرقةً، مازلت صورة أبنائه الثلاثة راسخة في ذهنه حين نطق القاضي بخمسة عشر سنة سجناً نافذة، أخبره الجميع أنّ الاستئناف في هذه القضايا لا طائل منه بدون أدلة، ورطه العطار ليحمي صاحب المكان الذي كان يعمل فيه، مقابل أن يتكفل بأسرتيهما خلال هذه السنوات، حز في نفسه أن يحب أبناءه الرجل الذّي حرمهم حضرة الأب، حزّ في نفسه أكثّر أنّه لا يستطيع إخبارهم الحقيقة.. أنّه لا يملك دليلاً واحداً يثبتها .
ستكون سلمى الصغيرة في الواحد والعشرين من عمرها حين ينهي سنوات سجنه، ستكبر بدون أب، ويصبح عمر أباً منذ المراهقة ووفاء أمّا رغم طيشها لأن وطني لا يغفر بعض الأخطاء ولا يعرف عنها شيئاً. 


آمال بوضياف