هذا أنا..
هو المطر ذاك المساء نشر عبر رذاذه الشر وحطم النفوس حين تشاجرا بعنف أكبر بسبب القطرات المتسربة من السقف إلى الجروح التي في قلوبهم جميعاً، كانت سميرة تصرخ بكريم: "أطلق، لا تكن جباناً هو يكرهنا، هيّا أطلق، أطلق أطلق... أقتله أو سيقتلك.. أطلق" وكانت هي نوال تصرخ "ضعها يا كريم أبعد البندقية عنه ضعها ضعها" لكن حين استعادت نوال صوت الطلقة انتبهت إلى أحمد الجالس إلى جانبها يحدثها دون أن تلتقط كلمة واحدة، سألته بلا مقدمات " ما أكبر ما تكره في الحياة؟ " أجاب ببساطة "الكذب" صمتت لبرهة دققت النظر في عينيه همست بسخط "كلكم تكرهون الكذب" سألته ببرود: "أي نوع من الكذب؟ " رفع حاجب دون الآخر: " ليس هناك أنواع للكذب هو كذب واحد وفقط" تململت ثم واصلت بانفعال :" لا أقصد الأبيض والأسود وباقي الألوان... بل ... إخفاء حقيقة مثلاً أو الصمت عنها" لم يسهب ولم يستفسر قال باقتناع تام: " كلها تندرج تحت مسمى الكذب... لما السؤال؟"
رددت بهمس " لما السؤال..؟" كان أخوها كريم يمسك بندقية الصيد تلك في وجه أبيهما كانت بندقية للدفاع الذاتي ضد الإرهاب، أكان أبوها إرهابياً بطريقة ما؟ تساءلت بحزن، لم يكن والدها يحمل سوى عصاه المعتادة لم يكن ينوي قتل أحد عكس ما قالوه في المحكمة عن السكين الكبير، ربما كان فعلاً إرهابياً، فقد جعلها تتسوّل هي وإخوتها، جعلهم يقطعون مسافات طويلة سيراً على الأقدام حتّى لا يدفع ثمن التذكرة، هي تعرف العاصمة وشوارعها كسكانها، كان يضربهم بعنف إن رفضوا الخضوع لأوامره، حرمها فرحة الطفولة و طيش المراهقة وتتساءل إن كان في قبره سيحرمها الشباب وأحلامه، ترمش بضع مرات لتستعيد وجه أحمد المندهش من شرودها المفاجئ العميق، تبتسم بل تضحك تسأله "أننصرف؟ " يرفض ويطلب تفسيراً عن غرابتها هذا الصباح، تشرد مرة أخرى في سؤال لم يكن منتظر مساء الأمس: "متى تخبرينه الحقيقة؟ لا تترك الأمور عالقة، دعيه يختار" تفاجئه مرة أخرى بسؤال لا يمت للموقف بصلة: "أتحبني؟ لم تخبرني أبداً أنك تحبني.. " يبتسم يجمع يديه يقول: " أننصرف؟ " لم تبتسم ولم تنبس ببنت شفه، سارت معه بصمت تحدث نفسها " أكيد سيختار الرحيل... لابد أن يختار الرّحيل ولما قد يتزوج ممن قتل أبوها المتسول على يد ولده الذي يحيى كأنه لم يفعل شيئا، ولما قد يجعل لأبنائه خالة عاهرة..."
عادت إلى المنزل، دخلت الباحة الخلفية حيث بقايا المنزل القديم، هناك سقط صريعاً وبالقرب كان كريم يرتجف يبكي ممسكاً بالسلاح هناك كان الجميع رهين لصمت الدهشة والفاجعة معاً واحد ميت والآخر مصيره السجن والأكيد العار الذي سيلاحقهم مدى الحياة، لماذا نزل المطر يومها لماذا تسرب عبر الشقوق لتغضب الوالدة على الوضع المزري، على سنين العذاب، صرخت وناحت على الفقر على النقود التي يركنها في صندوقه على عري وجوع أبنائها الثلاث، على البرد والحر صرخت على كل ما نغص عمرها لتدفعه كالعادة لحمل العصا وتدفع كريم للدفاع عنها، تهمس "كان يافعاً كان في الثامن عشر " كانت سميرة تحثه وتحرضه على ضغط الزناد، سميرة المتنمرة التي لم يعد لأحد سلطان عليها بعد رحيل والدها، سميرة التي باتت مجلبة لعار أقبح، أطلق كريم صامت أمّها للأبد عن الابتسام، حكم على كريم بالسجن مع وقف التنفيذ بعد شهادة الجميع حقاً وباطلاً ضد الذي ووري التراب وقد طبع على أرواحهم وأجسادهم ثقوباً عميقةً لا تزول.
لا يعرف أحمد عن ماضيها شيئاً تقول "لا صلة لي بما فعله أهلي" لكنّ الصديقة تقول " لا انفصال لك عن أهلك رغم كونك لا تشبهينهم" تقول وكم تكره نوال ما تقوله "أخبريه بنفسك قبل أن يخبره غيرك، دعيه يختار مادام مركبكم على البر " غادرت الباحة نحو المنزل الكبير الذي عمّروه بأموال قضى والدها سنيناً يجمعها بكل الطرق، قالت بصوت ثابت لوالدتها: "سأخبره قررت وانتهى" لحقتها والدتها ونادتها لكن عبثاً، كانت تسير بثبات كلمته عبر الهاتف.. ضربت موعداً، جاء وقد فتك به القلق كان كل ظنه أن مكروهاً حلّ بها أو بأهلها، جلس إلى جانبها يمطرها بوابل من الأسئلة، طلبت منه أن يسمعها دون أن يقاطعها أن لا يقول شيئاً فقط ينصت.. يفكر.. ثم يطلعها بقراره، قصت نوال ماضيها منذ النعومة إلى لحظتها تلك دون أن تخفي تفصيلاً، لم يكن البتة ماضياً مشرفاً ولكنها لم تصنعه بل صنعت فقط نفسها حتّى باتت ما هي عليه اليوم الدكتورة نوال، حين أنهت صمتت لبرهة ثمّ قالت"هذا أنا.. لم يغفر لي وطني ذلك الماضي إلّا حين أخفيته.. أتغفره أنت وقد ظهر؟ " ثمّ انصرفت تاركةً خلفها بحراً من الدهشة والصمت وحتّى الاشمئزاز وكثير من الحزن والحب.
آمال بوضياف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق