السبت، 27 يوليو 2013

أحبك يا وطني.. و لكن..



في مثل هذا اليوم من تلك السنة.. في ذلك المقهى أين اعتدت أن أقتل الوقت حين تكبل سلاسل البطالة يداي ارتميت على أحد كراسيها المهترئة وقد أنهكني السير كامل الصبيحة وأنا أبحث عن عمل عمل يفتح لي الأبواب.. أبواب الحلم بعائلة  ومستقبل.. لحظات بعد جلوسي لمحتها قادمة نحوي، شخصت بعيني إليها.. انطلقت مسرعاً فاراً من لحظة الحقيقة.. فاراً من صوتها الباكي المتحسر، كانت تلحق بي تناديني في ترجٍ فما أزداد إلّا إسراعا مردداً في نفسي: " أخبروها ... لقد علمت أخيراً.. عودي أدراجك يا خالة أرجوك استسلمي... عودي..." لكنني أنا من استسلم.. أخذت نفساً عميقاً..استدرت نحوها، مسكينة هي من أم بائسة.. شاحبة الوجه غائرة العينين نحيلة الجسم... أيُّ بقايا إنسان كانت، دنت مني تتصفح وجهي.. تسبر أغواري.. قالت بنبرة يائسة: " قل أنّ أحمد قد مات... قلها يا ولدي أرحني علها راحتي الأبدية" موقف لن أحسد عليه أبداً ولحظة فررت منها شهوراً أحمل على عاتقي ذلك السر المعلن للجميع ما عداها.. قلت وأنا أختنق: " لقد مات .. في عرض البحر قبل أن نصل الضفة الأخرى.. سامحيني خالتي.. سامحيني فلم أملك أن أفعل له شيئاً حينها.." اضطرب كلها.. ارتجفت شفتاها وهي تطلق شهقات الألم.. أخذت تجول بعينيها وتمشط الأرض كمن يبحث عن شيء ما، تمسكت بي حتى لا تقع ثم قالت بصوت خافت و هي تبكي بحرقة أكبر و تضرب على صدرها:" كنت أعرف، قلبي لا يكذب.. قلبي لا يخطئ... آه ولدي.. آه وحيدي نجوت من مخالب القتلة في الرابعة عشر لتموت غريقاً غريباً في الثامن والعشرين... لماذا؟؟ ما كان وطنك ليبخل بقبر.." سكتت لحظة ثمّ واصلت:" والله كان يحب وطنه ... كان يحبه ولكن.. ولكن.." عادت أدراجها تجر رجليها جراً ثقيلاً، تجر أذيال الخيبة وحطام آخر أمل كانت تحيى به.

قبل شهور فقط من هذا الموقف، كنت أنا أحمد ورشيد نستعد لركوب قوارب الموت أو قوارب الجنة المنشودة مع مجموعة أخرى من أبناء الوطن، بعد أن دفعنا مبالغ تفوق أوضاعنا الاجتماعية مبالغ لم تحلم بها جيوبنا يوماً، في تلك الليلة لم نحمل معنا سوى بعض التمر ومياه للشرب، داست أقدامنا المركب وقد داهمنا خوف مفاجئ لم نحسب له حساباً أخذ يقصص أطراف تلك الصورة الجميلة للجنة شيئاً فشيئاً..انطلقنا ونحن نصطنع الضحك والتهريج.. لكن زوال أنوار المدينة التدريجي أخرسنا على مراحل حتى ساد صمت رهيب..

 في قلب البحر أين لا شيء غير نحن والأمواج العاتية كنا نصارع فقط لنبقى على سطح القارب، كلنا كان يحلم.. ولكن ليس بما هو آت إنّما بما خلّفنا وراءنا.. أمّهات إخوة و أحبة، منزل رغم ضيقه دافئ.. أكل رغم بساطته لذيذ.. ووطن رغم ما عانينا فيه وطننا، و لكن الجنة تستحق التضحية.

بعد هدوء العاصفة أين كنا ما نزال نشق البحر نحو الشمال، بدأ التعب يظهر جلياً على أحمد إلى أن اشتدت به الحمى وغاب عن الوعي.. حسرة عارمة و خوف غطى الوجوه، لا دواء لا زاد لا أمل في إسعافه.. لم يحتمل جسمه النحيف مشاق تلك الرحلة الطويلة فرحل آملاً في حياة أفضل، مات أمام أعيننا ونحن نصد هجوم الدموع العنيف ونحبسها حبساً قوياً لكنّها أبت الركون في أجوافنا الباردة.. انفجرت كينابيع حارة معلنة عن قهر دفين.. لقد نقص أبناءك يا وطني فرداً، أحبك ولكنّه ظنّ أنك لم تحبه يوماً فاختار الرحيل بين فكي الموت نفسه، حبك لنا يعني لنا الكثير يا وطني..
أصبح أحمد جثة هامدة على متن القارب أي مجرد عائق لا أكثر.. فألقيناه في البحر وتتبعنا نزوله الهادئ إلى أعماقه.. مشهد رهيب، يموت بعضٌ في سبيل أوطانهم و يموت آخرون في سبيل أوطان غيرهم، غريبة هي الحياة.
واصلنا رحلتنا وقد جثم الهم والحزن على صدورنا وكادت شعلة الأمل أن تنطفئ حتى لاحت ملامح الشاطئ الآخر، الوطن المستعار الذي مهما أحببناه لن يحبنا أبداً، حينها كانت الوصايا واضحة: "تخلصوا من أي شيء يمكن أن يعرف بكم أزيلوا عنكم رائحة أوطانكم، تفرقوا فهنا كل نفس لا تعرف إلّا نفسها، اركضوا.. لا تنظروا خلفكم مهما حدث.. اختبئوا فلا أحد يعرف متى تطالك عين الراصد" طبقت كل الوصايا إلّا هويتي احتفظت بها ربما أردت أن يكون لي قبر أن يصلى علي إذا مت، خشيت أن أصبح مجدر رماد تذروه الرياح لمخلوق مجهول الهوية.
ما أقساها من أيام جوع برد تشرد خوف ذل ومهانة.. آه ما أحلاك يا وطني.. بعد ليالٍ من العذاب التُقطتُ.. قُذفتُ في السجن أين وجدت عشرات مثلي، أرجعونا لأوطاننا وأفرغونا على شواطئها كأننا نفايات صُدرت إليهم بالخطأ ... لا.. لسنا نفايات ولكننا بشر ضاقت بهم السبل هنا، بشر كبلت أيديهم أو حتى بترت، بشر يعيشون تحت الصفر.. على الهامش فيك يا وطني.. بشر وجودهم كغيابهم ولكنهم أحبوك يا وطني..هذا ما كان يردده رشيد: "رغم كل شيء أحب بلدي وإن قطعت البحر سأعود حتماً" رشيد الذي لم نسمع عنه الكثير غير أنّه مازال يتصل بأهله بين فترة و أخرى و لا أحد يعلم متى يمكنه العودة.
لا أعرف يا وطني أظلمتني فقررت الرحيل عنك أم ظلمتك برحيلي عنك.. أحبك يا وطني و لكن ها أنا الآن أقف عند أحد تلك القوارب.. ليس نفسه.. لكنه يخوض نفس الرحلة وأنا أدندن أغنية دحمان الحراشي.. "يا الرايح وين مسافر تروح تعيا و تولي...." فأنا أحبك يا وطني... و لكن
...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق