السبت، 27 يوليو 2013

زمن الشبهات



عاد إلى المنزل.. دخل وهو يبتسم وينادي أمّه:" خير يِمَّى وشراكي؟ كاش فطير كاش معارك؟" يعلم أنّها لن تحرمه تلك المتعة.. ليس متعة الأكل بل متعة الفطير المعجون بالحنان والحب، تنظر إليه بحنو.. تبتسم ثم تنقلب جادةً:" يا وليدي... ألن تحلق تلك اللحية؟! أخشى أن تثير حولك الشبهات" -حدس الأم- ضحك مما اعتبره طيبة أم وهو يأخذ قطعة من الفطير الساخن: "إنّها تجعلني أكثر وسامة لن أحلقها، كما أنّي لست من الاخوان ولا أعرف منهم أحد" يواصل "ما تخافيش على وليدك".
بعد حوال ساعة، أخذ دراجته الهوائية وانطلق بها في جولته المعتادة، يجوب أحياء المنطقة ويعود من الناحية الشرقية ليلقي نظرة على منزل حبيبته حنان التي تنتظره كل مساء عند النافذة.
مرّ أسبوع، طرق قوي على الباب بل عنيف، تهرع الأم "خير إن شاء الله" تفتحه، مجموعة من العساكر تريد جمال، الذي كان يستعد للانطلاق بالدراجة، يطل حاملا فردة حذائه الرياضي، يسأله العسكري:" أنت جمال؟" يجيب:" نعم" يؤخذ الشاب دون مقدمات بل يجر منتعلاً فردة فقط والأخرى ما تزال بيده، تهلع الأم المسكينة.. تتبعهم.. تردد:" ماذا فعل ابني، والله إنّه بريء حتى أنّه مسالم..." فلا يجيبها غير جمال مشفقاً عليها في جره ذاك:" ما تخافيش يِمّى أكيد ما كان والو، ما نطولش و نرجع!" يدفعه العسكري كأنّه يقول:" من قال ذلك؟"
في السجن، يسأله المحقق ما اسمك، عملك ، سنك؟؟ يجيب: "جمال الدزيري، عملي أساهم في بناء الوطن وعمري ربيع العمر" يلكمه يقول: "أجب" يرد: "جمال العربي، إداري، 28 سنة"
يواصل المحقق: "من هم أصدقاؤك؟" يتردد كأنّه يخشى على اصدقاءه من الشبهة، ثم يجيب:" كثر لا يمكن تعدادهم" يلكمه بشدة أكبر: " بدون مراوغة من هم أصدقاؤك؟" يذكر بعضهم من غير أصحاب اللِّحيِ.
-"لماذا أنت ملتحي؟ هل أنت من الجماعة؟" يجيب: " منذ متى صارت اللحية جريمة؟ لا لست كذلك."
-"أين تذهب كل مساء بالدراجة؟" دهشة تغمره ثم يهمس: "كنت مراقب.. أتجول!!" يسخر المحقق:" تتجوّل إذاً!!" يركل الكرسي بقوة.. يسقط جمال أرضاً مكبل اليدين:" يصرخ به مرة أخرى :"أجب" يجيبه " أنا مصاب في ساقي.. ألزمني الطبيب استعمال الدراجة حتى أتقدم في العلاج.." مبرر تافه في نظر السلطة العسكرية.
-"لماذا ترجع يومياً من الناحية الشرقية؟؟" بما يجيبه..؟ هل سيفهم؟ هل سيصدق سبب مروره من هناك؟؟ كما أنّه لا يستطيع ذكر حبيبته في التحقيق " لأنها الأقرب للمنزل" وهو يود القول الأقرب للقلب، يلكمه.. يصرخ به "كاذب.. كاذب .."
أمضى جمال شهره الأول في السجن، بين الأسئلة والقهر النفسي، شهر كأنّه سنة يحيى فيه مع طيف أمّه وحبيبته، مازالت تلك الشقية ببعده لا تعرف مكانه أو في أي سجن هو، كانت بعد بحث طويل تقف قريبا من زنزانته المنفردة والمتميزة عن غيرها، تؤكد للضابط أنهم أخبروها بوجوده في هذا السجن، كان يسمعها في ظلمته، أراد لو أنّه يصرخ ويقول:" أمّي أنا هنا لا تقلقي فأنا بخير... بـ...خـ...يـ...ر" و لكن.. يصرفها الضابط مؤكداً بدوره عدم تواجده.
شهر آخر، طرقٌ على الباب تركض أملاً في جمال فتجدها حنان.. عيناها غارقتان في الدموع، تعانقها و تمسح الدمع في غفلة منها تقول:" أرسلتني أمي لأطمئن عليك وعلى جمال هل ظهر؟؟" -غير صحيح جاءت من نفسها- تجيب تلك المفجوعة وهي تنتحب:" لا شيء يا ابنتي.. لا شيء... علهم قتلوه"
ثم شهرٌ آخر، تلجأ الأم إلى زوج الابنة صاحب الرتبة العسكرية، طلبتها منه في ذل وهي تعلم أنّ جمال لن يغفر لها ذلك.. تقع ابنتها بين نارين، فزوجها سعيد بفضله عليها وعلى جمال صاحب الأنفة وعزة النفس.
شهر رابع تراكمت الأحزان في المنزل والزنزانة حيث لا شمس لا هواء والكثير من الحشرات المؤنسة في تلك الوحشة والقهر،  أين عشش اليأس في كل الأركان، أين الانكسار والرفض والخوف من أن يكون آخر المطاف تمرد حقيقي.
شهر خامس من العذاب، يرن الهاتف إنه حضرة اللّواء:" سيطلق سراحه بفضلي عليه أن يكون ممتناً...ولكن.. بعد شهر" يغلق الخط تسقط الأم أرضاً بين البكاء حر الشوق والتعب.
شهر سادس وأخير، في مكتب التحقيق، الشاب بريء لا ينتمي إلى أي جهة.. فقط الدراجة شبهة في زمن كل شيء صار فيه شبهة.
آخر المطاف أو بدايته، خرج جمال هزيلاً شاحباً غريب عن نور الشمس.. منكسر لم يدخل الحي من الناحية الشرقية ولكنّه.. التفت إليها ثم للجبل.. بدون لحية.. لا يبدو وسيماً ... هل ستعرفه حنان؟ هل ستعرفه أمّه هل سيعرفه الحي؟؟؟
لأي ذنب كل هذا العذاب... ألأنه كان يجد في اللحية وسامة وفي الناحية الشرقية الحب و الدراجة علاج...
ربما كان ذنبه الوحيد أنه مواطن .... مواطن فقط في زمن الشبهات


آمال بوضياف
2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق