الأحد، 28 يوليو 2013

مجرد موقف..



                                 
     كنت يومها عائدة من الجامعة أسير بخطوات ملأها غرور الشباب، لا أعرف عن الغد سوى ما ترسمه لي الأحلام، لا تعرفني المرآة دون ابتسامة، أصعب امتحان خضته هو امتحان الورقة والقلم أين أكتب نجاحي الدائم، لم أفكر كثيراً في من حولي أو ما قد يحويه العالم من أوجه وتقلبات، كنت أعتقد أن الحياة يسيرة يسر تلك الخطوات التي أرميها دون معوقات، مازلت لم أعرف عنها ما يلزمني لأتوقع وجود الحفر.
في تلك الصبيحة قادتني الأقدار إليها، إلى تلك التي جعلتني أعيد التفكير بكل شيء، لم يكن لقائي بها صدفة أبداً لأني يومها تركت أهم محاضرة في الأسبوع دون سبب، رغبت العودة إلى المنزل لأني فقط.. مللت، كان الشارع أشبه بالخالي أسير فيه وأسمع وقع خطاي كدقات الساعة، رأيتها عن بعد دون أن آبه لها، لكن اقترابنا من بعض أثناء السير جعلني أنتبه أنها تسير نحوي، شعرت بأنها ستكلمني وذاك ماحدث، كلمتني بجمل غير مترابطة مشتتة، شرحت سبب وجودها هناك وأنها بحاجة إلى المال لتعود إلى مدينتها، كنت أسمع بعض كلامها ويفلت مني البعض الآخر، أعلق في نفسي بعبارات أكثر شتات من جملها: " تأتين مع صديقك من العاصمة في سيارته، يا لأخلاقك؟ تطلبين المال بعد أن تشاجرت معه ورماك هنا، ما هذا الذل؟ ولما قد أعطي مثلك المال؟ لما جئت معه أصلاً، ما الذي أخرج فقيرة مثلك من منزلها؟" كنت غارقة في تساؤلات كثيرة واحتقار كبير لها، لما قد تفعل بنت ذلك لو لم تكن منحلة الأخلاق، كنت أنزل بنظري من رأسها إلى قدميها وأصعد به مجدداً فعلت ذلك مراراً حد أن أبسط تفاصيل ملابسها  وملامحها مازلت عالقة بذاكرتي، وجهها الشاحب الخالي من أي بسمة عيناها الصغيرتان الخجلتان، اللتان لم تلتقيا ببصري إلّا نادراً، شفتاها، كانتا بالكاد تخرجان الحروف، يداها مجموعتان لا تنفصلان إلّا لوصف بسيط للمكان، بدلتها الرمادية المهلهلة البالية جداً، حقيبة يدها البنية الفاتحة القديمة التي لم يعد لمثلها وجود في الأسواق  حذاؤها البني المهترئ، و اضطرابها الواضح الذي شوش معظم كلامها، توقفت عن الكلام تنتظر ردة فعلي، حدقت بها لثوانٍ ثم قلت بكل برود أنه ليس معي فكة فاقترحت بسرعة أن أقف معها في الموقف وأدفع لعامل الحافلة المبلغ المستحق، فقلت بنفس البرود أنه لا يمكن لي أن أقف موقف الشبهة خصوصاً وأني أسكن بالمنطقة، فارتعش كلها وانطلقت مسرعة تلتفت إلي وأنا أقف محلي تطلب أن لا أخبر أحداً عنها،  أجبت بهمس مستغربة لما قد أخبر عنها الآخرين ووصفتها بالأميرة ديانا، أكملت طريقي إلى البيت يغمرني شعور بالاشمئزاز أفكر بها بلا انقطاع، كأني أفكر للمرة الأولى، كمن يسأل بعد أن يفيق من غيبوبة طويلة "كم مضى من الوقت؟ " شعورٌ سرعانما انقلب حزناً وانزعاج لا تفارقني صورتها.. دخلت في صراع دام إلى يومي هذا ما زلت أتساءل "ماذا فعلتْ يا ترى" ندمت يومها على موقفي وقسوتي لمت نفسي حتى أني لم أفارق الشرفة وأنا أنتظر فقط ظلها لألحقها، شعرت أنها غزال نازف في غابة ذئاب، وإن كانت بنتاً منحلة فقد طلبت الأسلم والأعف... والله وحده الأعلم بظروف الناس.
غريبة هي الحياة، أحياناً لا نحتاج إلى مختبرات لنكتشفها بل يكفينا مجرد موقف...
تذكرتها اليوم، عندما كلمتني ابنتي ذات الثمانية عشر ربيعاً تقول أن نقودها قد سرقت منها في محطة الحافلات و هي وحدها لا تجد من يقرضها ولا تستطيع العودة. 
آمال بوضياف
2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق