حلّ نيسان و حل معه الربيع طارداً عن الطبيعة كآبة الخريف، ماسحاً عنها دموع الشتاء.. مهدياً إياها أبهى حلله الخضراء المزينة بالألوان التي تبللها بقايا الشتاء المشاكسة وهي تمرح هنا وهناك.. تُجبر الناس على ارتداء ملابسهم السميكة بين الحين والآخر، تذكرهم بكذبة نيسان كذبة حلول الربيع المبكر.
في صبيحة أول يوم منه من تلك الأيام الملبدة بالغيوم، وقفت أسماء عند المرآة استعداداً للخروج تصلح من وضعية شالها الأزرق السماوي تعدل نزوله على معطفها الأسود محدثة نفسها بأنها لن تحمل المطارية في نيسان حتى وإن أثلجت، تذكرت وهي تنظر إلى تناسق اللونين وأناقتهما جملة من شتاء بعيدٍ:" الأزرق هو الربيع و الصيف.. الأسود هو الشتاء و الخريف.. بجمعهما نستحضر الطبيعة بكل ما فيها" ابتسمت تتأمل نفسها والطبيعة في جسد واحد.. تفكر في ذاك الذي رحل وترك فلسفته تغرد على أغصان الذكريات.. الذكريات التي ظنتها رحلت معه.. فلم يكن رحيلها أكثر من أكذوبة... أكذوبة نسيان.
خرجت أسماء متجهة إلى الحدية العامة، أين لها موعد مع صديقة، لكنّها تعمدت الإبكار حتى تجلس إلى نفسها، علّها تريد أن تتصفح الماضي مدعية أنّها تصارع حتى آخر رمق في ذاكرتها لتبقى قيد الحاضر حيث يوجد فريد خطيبها بحبه وإخلاصه.. لكن الجو الربيعي المعطر بالشتاء يحيي في نفسها تلك اللحظات.. حين كان يقول أنّ الربيع هو أكثر الفصول كذباً، لأنه لا يملك جواً خاصاً به.. بل هو مقتطفات من الفصول الثلاثة الأخرى..
في صبيحة أول يوم منه من تلك الأيام الملبدة بالغيوم، وقفت أسماء عند المرآة استعداداً للخروج تصلح من وضعية شالها الأزرق السماوي تعدل نزوله على معطفها الأسود محدثة نفسها بأنها لن تحمل المطارية في نيسان حتى وإن أثلجت، تذكرت وهي تنظر إلى تناسق اللونين وأناقتهما جملة من شتاء بعيدٍ:" الأزرق هو الربيع و الصيف.. الأسود هو الشتاء و الخريف.. بجمعهما نستحضر الطبيعة بكل ما فيها" ابتسمت تتأمل نفسها والطبيعة في جسد واحد.. تفكر في ذاك الذي رحل وترك فلسفته تغرد على أغصان الذكريات.. الذكريات التي ظنتها رحلت معه.. فلم يكن رحيلها أكثر من أكذوبة... أكذوبة نسيان.
خرجت أسماء متجهة إلى الحدية العامة، أين لها موعد مع صديقة، لكنّها تعمدت الإبكار حتى تجلس إلى نفسها، علّها تريد أن تتصفح الماضي مدعية أنّها تصارع حتى آخر رمق في ذاكرتها لتبقى قيد الحاضر حيث يوجد فريد خطيبها بحبه وإخلاصه.. لكن الجو الربيعي المعطر بالشتاء يحيي في نفسها تلك اللحظات.. حين كان يقول أنّ الربيع هو أكثر الفصول كذباً، لأنه لا يملك جواً خاصاً به.. بل هو مقتطفات من الفصول الثلاثة الأخرى..
في حالة الشرود العميق تلك وصلت الحديقة.. اختارت مكاناً بعيداً عن الذاكرة.. جلست تستغل ما بقي من الوقت في مراقبة المارة خصوصاً الأطفال بمعاطفهم الجميلة.. تداعب بيمينها خاتم الخطوبة لا شعورياً في يدها اليسرى وتبتسم من المطاريات التي تجدها مضحكة، حتى قطع سكونها النفسي رنين هاتفها النقال، إنها رسالة قصيرة من صديقتها تعلمها فيها أنها لن تتمكن من القدوم لأنها تعرضت لحادث، قرأتها أسماء قائلةً بصوت مرتفع ساخر:" وجدت وقتاً للكتابة !! إنه الأول من نيسان.. يا لسّخف كيف يستمتعون بالكذب !!؟ صدقاً لا أعرف !!!" في تلك الأثناء بدأت السماء ترسل زخاتها تبلل في لطف كل شيء، وقفت رافعة رأسها مبتسمة تتمتع بسقوط قطرات المطر الناعمة على وجهها، لكن ظل غطاها حاجباً عنها المطر، ظنتها صديقتها.. التفتت تريد التذمر.. لكن رعشة قوية اعترتها و دهشة عارمة أخرستها، التقى بصرهما.. ثبتت الأبصار ببعضها.. صار الماضي حاضراً بكل تفاصيله يحوم حولهما كدوامة، لحظات اللقاء لحظات الفرح الحزن الفراق الألم... ثوانٍ مرت كساعات.. هي في ذهول تام.. هو مبتسم هادئ، كسر الجمود بصوته المثقل بالحنين:" مازال نيسانك يرفض المطارية" استفاقت من ذهولها.. انسحبت ببطء من تحت مطاريته و بنبرة عتاب كلها قسوة سألته من يكون وهل تعرفه، جريحة مازالت تنزف من ماضٍ مهما بعد قريب، بذات الابتسامة الحزينة قال:" لم تسامحيني إذاً؟؟ "
اغرورقت عيناها.. اختنق صوتها في رحم الصمت حتى ظنته مات، انحدرت العبرات على تلال وجنتيها معلنة لها وله عن أكذوبة نسيان، مسحتها سريعاً بيمناها، أخفت يدها اليسرى في جيب معطفها، خفضت رأسها فارةً من عينيه تصر على أنّها لا تعرفه وإن كان يعرفها فهي لا تذكره، أين كانت تصرخ داخلها تعاتبه تسأله لماذا عاد.. لماذا سافر أصلاً.. تعيد مشهد ترجيها له بالبقاء.. أمّا هو مازال ثابتا مكانه لا يبحث لها عن مبررات بل قال بكل ثقة:" نسيتني !! لم أعهدك تكذبين في نيسان.. عهدت الربيع وحده يكذب" مصرحاً في أعماقه بأنه رحل من أجلها من أجلهما معاً من أجل مستقبل أفضل لهما.. أنّها فعلاً وفت وعدها بعدم انتظاره إن سافر.. رفعت رأسها نحوه.. أرسلت نظرة حزينة يسبح فيها الألم و الشوق و الكبرياء، ثم أعرضت عنه في صمت.. قبل أن تمضي قال:" مازلت تستحضرين الطبيعة... الطبيعة بكل ما فيها" فتوقفت للحظات.. دموعها تنزل بلا أعراض للبكاء تنصت إلى وقع المطر المتزايد على مطاريته الجلدية..قالت باختناق:" أنا لا أعرفك... عد من حيث جئت"
وصلت صديقتها في هذه اللحظة غطتها.. لكنها أمطرتها بوابل من الأسئلة بكثير من الدهشة والفضول:" إنّه هو !!! متى عاد من انجلترا؟؟ هل كلّمته؟ هل عرف بأنك مرتبطة؟ إلى أين تذهبين ؟ إنه ينتظر !!! لماذا تبكين؟ ماذا حدث؟" نظرت إليها أسماء والدموع تحجب عنها تفاصيل وجهها.. قالت مبتسمة: " هل يسمح نيسان بكل أنواع الكذب...؟ كأكذوبة نسيان مثلاً..؟؟"
في سيرهما البطيء ذاك التفتت صديقتها إلى ذلك المنسي في الخلف قائلةً:" أجل يسمح.. ما كذبة نيسان اليوم إلّا استئناف لقصة توقفت أحداثها بأكذوبة نسيان..."
وصلت صديقتها في هذه اللحظة غطتها.. لكنها أمطرتها بوابل من الأسئلة بكثير من الدهشة والفضول:" إنّه هو !!! متى عاد من انجلترا؟؟ هل كلّمته؟ هل عرف بأنك مرتبطة؟ إلى أين تذهبين ؟ إنه ينتظر !!! لماذا تبكين؟ ماذا حدث؟" نظرت إليها أسماء والدموع تحجب عنها تفاصيل وجهها.. قالت مبتسمة: " هل يسمح نيسان بكل أنواع الكذب...؟ كأكذوبة نسيان مثلاً..؟؟"
في سيرهما البطيء ذاك التفتت صديقتها إلى ذلك المنسي في الخلف قائلةً:" أجل يسمح.. ما كذبة نيسان اليوم إلّا استئناف لقصة توقفت أحداثها بأكذوبة نسيان..."
آمال بوضياف
2010
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق