السبت، 27 يوليو 2013

رجل.. بوجه أب..


عادت إلى المنزل ركضاً.. دفعت باب الفناء منادية أمها بأعلى صوتها الذي لا يطيق صبراً على ما يحمل.. أنفاسها المتسارعة تعيق كلامها:" أمي ... أمي ...لقد ماتت.. أنيسة ماتت.. دهسها القطار" تكمل بهمس في دهشة "لم تعد موجودة... أمي!!" أول مواجهة مع ماهية الموت يتراءى لها في صورة غياب مفاجئ عن الحياة، حين رحل والدها لم تتجاوز الخامسة، ظفرت به رصاصة طائشة في أحداث أكتوبر 1988 فلم يكن موته أكثر من ذهاب إلى السماء.
تقف عند ركبتي أمها تصر.. تلح.. تكرر الخبر وتنصت إلى حديث عن رجل مات.. تلتصق بها.. تسكت.. تمعن النظر في وجه خالها.. إنّه حزين.. تسأل بذات الالحاح: "من مات أمي ... أمي من مات؟؟ .. أجيبيني أمي.." تتذمر الأم فالجو لا يحتمل فضول الأطفال و أسئلتهم: "إنه الرئيس صغيرتي" تجمدت ياسمين مكانها تردد في أعماقها : "غير صحيح.. غير صحيح.." لكن التي قالت هي الأم وكل ما تقوله قطعاً صحيح، خالها يقول أنهم هددوه ثم نفذوا.. تسأل مجدداً لكن بصوت مثقل بالأحزان: "لماذا قتلوه.. من قتله.. أمي؟" لا أحد يجيب طفلة لم تتجاوز التاسعة، فلن يعني لها رئيس لم يدم حكمه خمسة أشهر أكثر من كونه رجل غريب..
تنسحب من بين يدي الأم في صمت، تتهاطل الأسئلة كأمطار شهر يناير، تتراقص صورته أمامها تبتسم لها، لتتوه سذاجة الطفولة في غياهب عالم الكبار الغامض أين لا يوجد لحزنها مبرر..
تجلس في الحديقة تعيد نفس الأسئلة.. بلا أجوبة، رجل طيب لماذا يموت..؟ رجل بوجه أب لماذا يقتل؟ لا يشبه صورة والدها البتة لكنه يحمل ملامحه، تتذكر ابتسامه لشيخ كان يشرب الحليب من يده.. تستجيب لها مجدداً بكل عفوية.. عيون محيطها جعلته محبوبها.. حسها البريء أدرك طيبة كانت فيه.. لكنّه.. مات.. أنيسة لم تعد موجودة لأن القدر خبأ لها قطاراً ثانِ لم تنتبه له.. أرحل هو لأن شخصاً ما يكرهه.. ربما شخصاً لم يحبه مثلها.. تنتفض تركض إلى أمها: "لماذا مات أبي؟؟" توقفت رحلة الذهاب إلى السماء أخيراً..
عالم الكبار دوامة.. سؤال مناسب في وقت غير مناسب، فلن تعدو عن كونها مسألة أجل.. لا وقت للشرح.. التلفاز يذيع مشهد اغتياله.. صمت يقيّد المكان القلوب منقبضة.. إنّه يتكلم تبتسم ياسمين لملامح الأب فيه في غفلة من الجميع.. صوت في تلك القاعة تسأل: "ما ذاك أمي؟؟" طلقات نارية فوضى تعم ذاك المكان تضيع الصورة للحظات.. تسأل مجدداً: "ماذا يحدث أمي؟؟" تعود الصورة.. مكانه خالٍ و جمع يلتف حول شخصٍ ما.. أتراه الأب يموت للمرة الثانية؟؟
ألم يجتاح الحنجرة صوت غائب.. فقط العيون حزينة..تستجمع بعض قوتها وقليلاً من الشجاعة: "أمي.. هل أبي يشبهه؟؟؟" تجيبها دون أن تدرك لسؤالها معناً: "أبداً!!" تتجه إلى الرزنامة تحدق بها مطولاً.. ثم تضغط بسبابتها على التاسع والعشرين.. التاسع والعشرون من شهر جوان رحل رجل كان أباً للجميع... رجل بوجه أب..

آمال بوضياف
2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق