السبت، 27 يوليو 2013

حب بين الحقيقة و الواقع



 
المرآة لا تكذب، لن يرى فيها غير وجهه الخمسيني بخطوطه العميقة على الجبين وشعره المزين بتلك الرشات البيضاء المتناسقة.. الكثيفة عند الصدغين كثلج مكوم على قمة جبل.. لكن هيهات أن يكون الشيب كالثلج..
أمعن النظر في المرآة ث.. مرر أصابعه على تلك الانغراسات الطولية متسائلاً إن كانت لها أن تراه على غير هذه الحقيقة !! ليجيب نفسه بكل ثقة "أجل يكمن لها" واثق ليس لأن الحب عمى حقائق بل لأنه يستحق ذلك.. كمكافة نهاية الخدمة أو ربما حق الراحة بعد السير الطويل في شوارع الحياة الضيقة..
كلماتها صدى يتردد في أذنه عذبة بحروفها الأنثوية.. مندفعة بلا خبرة كسنها:" الحب لا يعرف زمناً ولا سناً" لكنه يدرك تماماً أنها جملة مطمئنة إلى حد ما من حيث القول لا من حيث القائل.
فارق المرآة ليرتدي ملابسه الشبابية التي تناسب جسمه الرياضي غير مبالٍ إن كانت كملابس ابنه استعداداً للخروج.. مدندنا لحناً من ألحان الزمن الجميل لكوكب الشرق..أي تناقض غريب هذا بين الهيئة والمضمون؟؟ لتنقطع فجأة نشوة الفرح تلك بسؤال بريء من صغيرته ذات الاثني عشر عاماً وهي تقفز حوله عن وجهته.. تبعثرت أفكاره في لحظة ارتباك نبعت من الأنا.. فاسترسل ضاحكاً... قبل أن ينقذ نفسه بكلمة صديق انفلتت بين أنفاسه الفتحة على القاف و حرف الهاء.. "موعد مع صديقـ ... ـه " حاول أن يشرح ظروف الموعد.. أن يبرره مع أنها لم تطلب ذلك، كالمذنب غير المتهم.. أكيد فالمبررات وليدة الخطأ..

غادر المنزل تحمل عيناه ابتسامة ساخرة لم يستطع إيقافها ولا إخفاءها.. إلى أن لمحها عن بعد، أخذ يقترب منها دون أن يُغفل تفصيلاً صغيراً من تفاصيل جمالها، قدها الممشوق الذي يفيض أنوثة يتمايل في ثوب أخضر فاتح كلون عينيها الواسعتان، شعرها الكستاني المنسدل على كتفيها في نعومة، يداعب و جهها الأبيض الطفولي المرصع بشامات توزعت بكل انسجام زادته سحراً.. أنفها المعتدل المنحدر بين وجنتين توردتا من لفح الشمس و شفتين مازالتا ترسمان أجمل ابتسامة يعتقد أنه رآها في الأربعة والخمسين عاماً التي مضت، تفاصيل لم تغب عنه أبداً، يراها بعين العاشق أمازيغية الجمال منحدرة من أصول أندلسية منحتها إسبانيا من ملامحها الأوربية الكثير..
وقف عندها يتأمل خضرة عينيها، تاه للحظات شعر فيها أن جنة من جنان الأرض التي لم تطلها عين بشر استقرت بهما وفتحت له أبواب الحرية والحياة مجدداً.. ليستفيق من رحلته على ندائها وضحكها.. سارا معاً إلى المطعم المعتاد تمسك ذراعه بين تحدٍ للمجتمع وبحث عن الأمان، تنظر إليه بحنو ظاهر وعطف كبير.. يسكنها الاطمئنان بقربه، يختلف كل ما فيه عن الشباب المندفع خلف ما تعتبره توافه الحياة، يعكس شيبه الخبرة التي تحميها من مفاجئات الزمن وتقلباته، مؤمنة أنّها وجدت فيه ما لم تجده في غيره، أتراه هروب من الواقع أم إغفال للحقيقة.. أتستحق لحظات السعادة النادرة أن يغيب العقل أو ينام..؟؟ ربما نعم.. و ربما لا..
دخلا المطعم واختار هو زاوية منه قليلة الحركة، لتنطلق حلقة من الحوار و الحديث عن كل شيء والخوض في كل شيء إلّا والدها، كلاهما تجنب ذلك.. تجنبه هو من حيث الحقيقة وتجنبته هي من حيث الواقع.. والدها الذي أهملها وأخويها منذ الطفولة الأولى، أبٌ على الهوية فقط، الأب الذي اختار العيش مع الزوجة الثانية أو الحبيبة الثانية غريب أن لا تشعر في هذه اللحظة وهي تجلس بجانبه أنها تشبهها.. أو حتى الزوجة الثالثة حسب آخر أخباره المتداولة.. تقول دائماً أنه لا يعنيها رغم تشاجرها مع أخيها الأكبر حين طرده منذ شهر من المنزل، غيابه شهر أمر مألوف ولكنها تخشى خلف الأنا رحيله النهائي، كانت تعاني قهراً داخلياً وهي تخفي رغبتها في الحديث عنه، رغبة في سرد ذكريات الطفولة.. في أن تعيد على مسامعه ما تعود من قصصها عن الأب الحنون، قصصاً تروي أنه لم يكن بذلك السوء رغم ما مرّ وما يمر، بصرها يجوب المكان في اضطراب ألفه.. لتثبت عيناها في جهة من المطعم، ابتسمت حينها وتغيرت ملامحها.. وجه لتقاسيمه بقايا في الذاكرة.. ملامح من أواخر المراهقة وبداية الشباب من ماضٍ قريبٍ جداً كأنه الأمس.. استيقظت الغوافي من الذكريات من زمن الطيش واللامسؤولية وغاب سمعها وبصرها تماماً عن حبيبها الخمسيني..
تأمل وجهها النضر، لمح إشراقة لم يعرفها قبلاً وابتسامة لم ترسم له أبداً.. لمعاناً فريداً في تلك الخضرة كقطرات المطر على أوراق الأشجار تحت نور شمس أطلت من بين السحاب.. التفت فضولاً، خلفه بطاولتين شاب.. كل طاولة بينهما عقد من العمر والمسافات بينها بضع سنوات.. يلوح لها بيده.. اتجهت نحوه تحدثا مطولاً.. حين كان هو في ترقبه يفكر في من يكون والأهم فيما تقوله عنه.. كيف ستعرفه.. أو ربما لن تذكره.. إحساس كان دائماً يخشاه يسكنه اللحظة.. أتراه ورقة خريف لم يتشربها التراب مازالت تتطاير بين أزهار الربيع.. يصارعه إحساس آخر بالرفض وحقه في سحبها من أمامه وإبعادها عنه.. شعور يتضارب بين ما هو كائن و ما يجب أن يكون.. أيّهما أحق بوجوده في حياتها الحب أم الشباب.. الحقيقة أم الواقع..
عادت إليه تفيض حركاتها اضطراباً وفرحاً، نظرت إلى وجهه تداخل في نفسها شعور بالأمان ووخزة خيانة لا تجد لها مبرراً، مازلت تبتسم كلماتها غير منسجمة تقول أنه صديق قديم من أيام الثانوية ثم تردد أنه لم يتغير.. تستدرك أنها لم تعرفه به، وجدت حرجاً في الحديث عنه مع أنها طالما تحدثت عن أصدقائها، كان صامتاً يرقب حركاتها.. معرفته بها تؤكد أن أمراً طرأ..
هي لا تجد تفسيراً لارتباكها تحاول إنقاذ الموقف.. تتساءل لماذا تعتبره موقف، نظرت إلى الساعة أمسكت يده مستأذنة المغادرة لأنها وعدت والدتها العودة باكراً.. لم يمانع و لا حتى سأل.. كان فقط يبتسم ابتسامة هادئة صوته منخفض ثابت النبرات..
غادرت تحمل في قلبها مئات الأسئلة والمشاعر المتناقضة واثقة من إدراكه أنها تكذب.. بقي هو في مكانه محافظاً على الابتسامة لا يحمل أسئلة بل أجوبتها يُتم بناء جدار الواقع و يبارك مولد الحقيقة الجديدة.. أين تغيب المسلمات أو ربما تتغير
..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق