حضرة أب
تنظر إليه عبر ثقوب السياج، تنغلق عيناها من ابتسامتها الصامتة، تنقبض روحه وتخنقه الحسرة يحدث نفسه: "صغيرتي المسكينة كبرت قبل الأوان" يضع أصابعه عبر تلك الثقوب يبحث عن ممر لبصره حتى يجمع كل تفاصيل وجهيهما، يتشجع.. يسأل باختناق وليد الشوق الخجل والحسرة : " وفاء عمر كيف حالكما ولديّ؟ " تتسع ابتسامة وفاء وينقبض وجه عمر تجيب بفرح مضطرب بين فرحة رؤيته وحزن غيابه الدائم: "بخير أبي المهم كيف حالك أنت، أخبرنا المحامي أنّ جلسة الاستئناف بعد خمسة عشر يوماً" يبتسم نصف ابتسامة بجهد يقول إن شاء الله علناً ويلعن المحامي سراً، يحتفظ عمر بصمته وحزنه معاً كأنّه يخشى البكاء في غمرة اللّقاء تلك وسلطة الحديد الفاصل بينهم، يكسر الأب صمت ابنه يسأله: " عمر بنيْ لما الصمت، أعلم أنّ الوضع صعب عليك أنت بالذات، تحملت العبء باكراً وفاة والدتكم أولاً... ثم دخولي السجن.." يصمت لبرهة " كن قوياً صغيري أرجوك.. لأجل أختيك" ترن كلمة صغيري في قلب عمر تجتمع في عينيه دموع ثلاث سنوات لغياب أمّه وعام لغياب والده وتمسك وفاء وسلمى الصغيرة بذراعيه، يمسح تلك السنين بسبابته وإبهامه في خفة يقول: "لا تهتم أبي... كن واثقاً أنّي معهما كأنك موجود"
يعود إلى الزنزانة كما بعد كل زيارة يتذكر الكيس الأسود الذي كان بين أكياس الاسمنت البنية، يلعن اللحظة التي لم يتفقد محتواه، يردد بهمس وسخطٍ معاً: "تباً، لقد كان أسود... أسود، كان ظاهراً ينادي الناظر، لكنّي كنت أعمى البصيرة... خطأٌ لا يغتفر... لا يغتفر"
كان صباح يومٍ مشمس حين اقتحم الأمن مكان البناء، أمسكه عنصرين بقوة بينما أخذ الباقي في تفتيش كل شبرٍ، كان يتساءل باستغراب عمّا يحصل، لم يخطر بباله الكيس الأسود ولا أي شيءٍ آخر، لم يسأله أحد أيّ كلمة فقط سيق بحنق وكراهية إلى مكتب التحقيق:
"ماذا كنت تفعل هناك؟ " يندهش، يجيب: "أنا أعمل هناك.. أنا البناء" يبتسم المحقق بسخرية يقول: " البناء، أتعرف لما اعتقلت؟ " يرد بحيرة أكبر: "لا أبداً فأنا إنسان مسالم ليس لي أيّ مشاكل مع أيّ شخص" يقترب المحقق منه يقول بصوت ثابت: " لا داعي للتمثيل، اعتقلنا العطار واعترف بكل شيء هو من أخبرنا بمكان البضاعة واعترف بأنك شريكه" ينظر إلى المحقق يسترجع أسماء آخر من تعامل معهم، يسأل: "من هو العطار؟ " يجيب المحقق على غير عادته: "عبد الكريم بن قرمي" يثبت بصره ببصر المحقق يفكر بصمت: "عبد الكريم جاري وصديقي.. عبد الكريم لا يمكن.. مستحيل.." يصرخ به المحقق يخرجه من شروده " ألا تخجل ألم تفكر يوماً أن تلك المخدرات قد تصل أبناءك يوماً؟" يحتفظ بصمته مدهوشاً، يهمس يرفع صوته المبحوح شيئاً فشيئاً " مخدرات.. لكنّي لا أعرف أي مخدرات ولا علاقة لي بنشاط عبد الكريم" يشمئز المحقق من إنكاره: " كلكم تقولون هذا.. لكنكم تدفعون أبناءنا إلى الجحيم" يقترب منه يحاذي أنفُه أنفَه يواصل "لا القانون ولا أنا ولا الوطن سيرحمك يا حضرة الأب"
"حضرة الأب" جرحت أبوّته وخنقت تلك الطيبة في قلبه وأبكته حرقةً، مازلت صورة أبنائه الثلاثة راسخة في ذهنه حين نطق القاضي بخمسة عشر سنة سجناً نافذة، أخبره الجميع أنّ الاستئناف في هذه القضايا لا طائل منه بدون أدلة، ورطه العطار ليحمي صاحب المكان الذي كان يعمل فيه، مقابل أن يتكفل بأسرتيهما خلال هذه السنوات، حز في نفسه أن يحب أبناءه الرجل الذّي حرمهم حضرة الأب، حزّ في نفسه أكثّر أنّه لا يستطيع إخبارهم الحقيقة.. أنّه لا يملك دليلاً واحداً يثبتها .
ستكون سلمى الصغيرة في الواحد والعشرين من عمرها حين ينهي سنوات سجنه، ستكبر بدون أب، ويصبح عمر أباً منذ المراهقة ووفاء أمّا رغم طيشها لأن وطني لا يغفر بعض الأخطاء ولا يعرف عنها شيئاً.
آمال بوضياف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق